فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 781

وموضع آخر يشبه بعض ما مضى، وهو أن يكون أحد الأمرين، وإن كان يطلب لغيره، فقد يطلب لنفسه، والأمر الآخر لا يطلب إلا لغيره، فإن الأول آثر؛ ومثاله الصحة والعدالة، فإنهما آثر من الغنى والشدة، فإن الصحة والعدالة كريمان لأنفسهما، والغنى لا فضيلة له في نفسه، بل ربما جلب أمرا كريما فاضلا.

وموضع آخر في الأمور الخفية التفاوت اللواتي تحوج إلى تدقيق نظر في أمرها، مثل النظر في اللوازم، فإن ما لازمه خير أكثر وأفضل فهو آثر. وأيضًا ما تابعه شر أقل مما للأخر، وإن لم يفضل في الخير، فهو آثر.

ومن اللوازم ما يكون مقدما مثل الجهل للمتعلم من حيث هو متعلم؛ ومنه ما يكون متأخرا تابعا مثل العلم. والتابع في أكثر الأمر هو الأفضل، إذا كان من جملة الغايات. فهذا موضع.

وأيضًا موضع آخر أن الخيرات التي هي أكثر فهي آثر، إذا كان الأقل داخلا فيها؛ فأما إذا لم يكن كذلك، فإن الأقل عددا ربما كان - وإن خالطه شر - آثر خيرات كثيرة. مثل الحكمة، فإنها مع ما يلحق كاسبها من التعب آثر من جملة الغنى والصحة والجمال والقوة.

وربما كان ما ليس بفضيلة وهي واحد آثر من عدة فضائل، مثل أن السعادة آثر من العدالة، والشجاعة، والعفة. وقد يعاند هذا الموضع فيقال: ليس يجب أن يكون مجموع الاثنين آثر من الواحد الذي فيه، مثل أن مجموع الصحة، وكوننا ذوي صحة، ليس آثر من الصحة، فإنه لا زيادة إيثار لمجموعهما على الإيثار الذي للصحة؛ وإنما يكون هذا إذا كان أحد الأمرين لأجل الآخر. وأما إذا اختلفا فحق أنه إذا كان كل واحد منهما ليس يؤثر الآخر، فهما آثر من الواحد. وهناك إذ ليس آثر، فليس أنه أنقص إيثارا، بل إيثارهما واحد. وحكم هذا الموضع في الصحة، أو الشهرة، مما لا يخفى.

وأيضًا إذا كانت المؤثرات تحصل مع لذة فهي آثر من أن تكون بلا لذة؛ وهو مشهور غير حقيقي.

وأيضًا إذا كانت بغير أذى ولا لذة، فهي آثر من الذي يكون مع أذى. وهذا على ما علمت.

وأيضًا ما يكون في وقته ثر منه في غير وقته، أو في وقت لا يعتد به، فإن الحكمة في المشايخ آثر منها في الشباب، وإن كان وجودها في الشباب أعجب. وكذلك العفة فيهم، بل العفة والحكمة بالمشايخ أولى، وفي الشباب أعجب. واكتساب ذلك وطلبه بالشباب أولى، فإن المشايخ يجب أن يحصل ذلك لهم بالطبع.

والشيء الذي هو انفع في كل وقت، وفي أكثر الأوقات، فهو آثر بالإعداد، كالعفة والعدالة فإنهما آثر من الشجاعة. لكن ربما كانت الشجاعة آثر في وقت يحوج إليها.

والشيء الذي لو كان هو لم يحتج إلى الآخر، وإذا كان الآخر احتيج إليه فهو آثر؛ كما أنه لو كان الناس عدولا لم يحتج إلى الشجاعة. ولو كان الناس كلهم شجعانا انتفع بالعدالة، بل احتيج إليها. فالعدالة آثر، وإن كان الآخر، أعني الشجاعة، ربما صارت في بعض الأوقات آثر.

وأيضا ما يتجنب فساده، أو ضده أكثر فهو آثر؛ وما يرغب في تحصيله واتخاذه أكثر، فهو آثر.

وأيضًا فإن كان شيء يكون مؤثرا دائما، ويكون الآخر مرة مؤثرا، ومرة غير مؤثر، فذلك الشيء آثر. مثال الأول لذة الحكمة؛ مثال الثاني لذة الأكل والجماع؛ فإن الذي هو مؤثر دائما آثر في نفسه، وإن كان هذا قد يصير وقتا ما آثر.

نقول: إن المواضع التي أخذت في الآثر منها ما ينفع في المؤثر نفسه، وذلك أنا إذا علمنا أن النفع آثر، علمنا أن النافع مؤثر. وكذلك إذا رأينا الأكثر في باب ما آثر، علمنا أن الكثير مؤثر؛ كما أنا إذا علمنا أن الأنفع آثر، علمنا أن النافع مؤثر. وكذلك وإن لم يكن الأمران يختلفان في الزيادة والنقصان، ورجح ما بينهما من جهة أخرى فقد يوجد للترجيح مواضع أخرى، مثل أنه إذا كان الخير بالطبع آثر، فالخير بالطبع مؤثر. وأيضًا إذا كان ما يكون خيرا بالطبع، فهو أكثر إيثارا، فيكون لا محالة للأقل إيثارا، وهو الخير الذي ليس بالطبع إيثارا ما، وإن قل، فيكون كل خير بالجملة مؤثرا. ومنها ما ينفع في الترجيح فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت