فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 781

وأيضًا فغن الذي يكون للشيء بالطبع آثر من الذي لا يكون له بالطبع. ومثاله: العدالة آثر من العادل؛ ولست أقول أفضل، فإن هذا الموضع قد مر مرة. وأما في هذا الموضع، فإنما تؤخذ العدالة والعادل من حيث هما نافعان في أمر من الأمور يحتاج فيه إلى أحدهما، ومن جهة نسبتهما إلى شيء، وهو الغاية. لست أعني من جهة اعتبار مقايسة ما بينهما أن أحدهما يؤثر لذاته، والآخر لغيره، فغن هذا الموضع قد مر؛ بل من جهة ما هما مؤثران لأجل المنفعة المتعلقة بهما. لكن العدالة نافعة بمعنى طبيعي لها في ذاتها والعدل نافع لأمر مكتسب. وهذا مثل أن نقول: إن السراج آثر من المرآة المضيئة. بالعكس، إذ السراج يفعل ذلك لأمر في طبعه، والآخر يفعله لأمر مكتسب؛ وهذا حق.

وأيضًا هذا كما يقال:أن يكون لك ملكة الكتابة فتكتب آثر من أن تستكتب.

وأيضًا فإن الأمر الموجود للأفضل الأكرم آثر من الأمر الموجود لغيره؛ مثل المر الذي يخص الله تعالى، فإنه آثر مما يخص الإنسان. فهذا هو على الإطلاق مشهور. وليميز ليتحصل الحق فيه، فنقول: ليس كل أمر موجود في الأفضل فهو الأفضل، فإن اللحية موجودة في الإنسان، وليست من مبلغ الشجاعة الموجودة في الأسد. ولكن يجب أن يشترط حتى يكون الموجود للأفضل موجودا للأفضل من حيث هو به أفضل، لا من أن يشترط حتى يكون الموجود للأفضل من حيث هو به أفضل، لا من حيث هو به أخس.

والموجود للأخس موجود للأخس من حيث هو أخس، لا من حيث هو به أفضل. وبعد ذلك، فإن الحق أن ذلك أفضل. وأما أنه آثر، فإنما يكون إذا اشتركا في أنهما مؤثران، وإنما يكونان مؤثرين إذا كان كلاهما من شأنه أن يؤثر فيحصل بالكسب.وأما إذا لم يكونا كذلك، أو لم يكن الذي في أحدهما مثلا الذي في الأفضل مما يكتسب، فليس يقال إنه آثر.

وموضع آخر يشبه هذا الموضع، وليس هو، وهو أن ما كان أولا للأمور التي هي أقدم، فهو آثر؛ كالصحة بالقياس إلى الجمال والقوة، فإن الصحة يظن أنها توجد في مزاج الأركان، والجمال والقوة في تركيب الأعضاء الآلية. وكذلك ما هو في الشيء الذي هو أكرم فهو آثر، كصحة النبض بالقياس إلى جودة الهضم. وهذا يخالف الموضع الأول في أن الصحة والشدة يجتمعان معا في شخص واحد يوصف بهما. وصحة النبض وجودة الهضم يجتمعان في شخص واحد. والموضع المقدم كان يفترق فيه الموضوعان، لكن الحكمان متقاربان.

وموضع آخر قريب من بعض ما سلف، وهو أن الغاية في الشيء آثر من فاعل لغاية، أي أحرى، حتى لا يكون هذا الموضع مكررا. ولكن هذا مشهور غير حق؛ فإن صحة البدن غاية من الغايات، ثم صحة النفس، وهو الفضيلة، يسوق إلى غاية هي السعادة القصوى؛ والفضيلة آثر عند الأفاضل من صحة البدن.

وأيضًا فإن السائقين إلى غايتين يشبه أن يكون أعجلهما تأدية إلى غايته آثر، وذلك إذا تساويا وتقاربا. ولذلك فإن الجمهور يؤثرون النافع في المعاش على النافع في المعاد. وأما إذا اختلفا، وكان التفاوت عظيما، ولم يمكن الجمع بينهما، فإن الآثر عند الحصفاء ما هو أفضل، وإن تأخر.

وأيضًا فإن الغايتين إذا كان التفاوت بينهما أكثر من التفاوت بين إحداهما وبين فاعلها، وكان فضل الغاية الأخرى على هذه الغاية أكثر من فضل هذه الغاية على فاعل هذه الغاية، فإن فاعل الغاية الأخرى أفضل من هذه الغاية. وذلك بأن نسبة الغاية إلى الغاية، كنسبة الفاعل إلى الفاعل، وكانت تلك الغاية تفضل هذه الغاية أكثر من فضل هذه الغاية على فاعلها، ففاعل الغاية الأخرى يفضل فاعل الغاية الأولى هذه بأكثر من فضل الغاية الأولى. وهذه لفاعلها نفسها فضل أكثر فهو أفضل، ففاعل الغاية الأخرى أفضل من هذه الغاية؛ وكذلك بالعكس.

وهذا الموضع مشهور، وليس يبين بنفسه أنه حق؛ وذلك لأنه يبنى على إبدال النسبة، وإبدال النسبة غير بيّن. والبرهان الذي شهره إنما قام عليه في المقادير والأعداد، ولم يعم في غيرها مما لا يوجد فيها ما يوجد في المقادير والأعداد من المناسبات من وجود مشاركة في شتى مشار إليه، وأن في أحدهما فضلا عليه. فإن كان هذا الموضع حقا، فهو حق غير بيّن بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت