فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 781

وأما العادل فهو ذاته جوهر، وليس الفضيلة مقومة لذاته، كما ليس البياض مقوما للأبيض، ولا اللون الذي هو جنسه مقوم له. لكن العادل عرض له الفضيلة، فهو في جنس الفضيلة بالعرض؛ فيجب أن تكون العدالة أفضل من العادل. وهذا قد يشتهر وقد لا يشتهر. وأما الحق فيجب أن تعلم أن معنى الأفضل هاهنا مما لا ينفرد، لأن الأفضل إن عنى به أنه الأكثر في نفسه في أنه فضيلة، كما أن الأشد سوادا هو الأكثر من الآخر في أن سواد، فليس بينهما مناسبة في ذلك؛ فإن الفاضل ليس فضيلة؛ وإن عنى بالأفضل الأجمع للفضل على أنه صفته، فليس بينهما مناسبة؛ فإن الفضيلة ليست جامعة أو حاملة للفضيلة. ثم إن أخذ اسم يعمهما فسيكون باشتراك الاسم.

وموضع آخر، وهو أن المؤثر بذاته، ولأجل نفسه، أفضل من المؤثر لأجل غيره، كالدواء والصحة؛ وهذا حق.

وأيضًا المؤثر بذاته أفضل من المؤثر بالعرض؛ وهذا قريب من الول، ويخالفه في أن الذي بالعرض قد لا يكون مؤثرا البتة، بل إنما يكون المؤثر مما يقارنه، مثل أن الشيء إذا كان حلوا ومربعا، فالحلو مؤثر لذته، والمربع بالعرض، إذ إنما أوثر لأنه حلو، وليس يتوجه إلى التربيع إيثار. وأما المؤثر لغيره يتوجه إليه إيثار. وربما كان المؤثر بالعرض ليس لأنه مؤثر، بل لأجل أن مقابله مكروه، أو يتبع مقابله مكروه، فيؤثر لا لفائدة في نفسه، فهي فيه لفائدة فيما يقارنه بالذات، فهي فيه بالعرض. لكنه إنما يؤثر لكي لا يوجد مقابله، فلا يكون هو مؤثرا لأجل أنه مؤثر لذاته بالذات، إذ ليس يوصل إلى المؤثر بالذات، بل يوصل إلى المؤثر بالعرض، وهو عدم المكروه بالذات؛ وليس عدم المكروه علة لوجود المؤثر بالذات، بل بالعرض؛ إذ علل الأمور الوجود أمور وجودية لا الأعدام. بل الأعدام ربما كانت مع علل الأمور الوجودية، وممكنات توجه العلل، لا أنها في أنفسها علل. ومثال هذا أن الفضيلة في الأصدقاء مطلوبة لذاتها، لأنها توصل إلى سعادة الصديق، وسعادة الصديق مؤثر لذاته للصديق.

وأما فضيلة الأعداء فلا تؤثر لأجل ذاتها، ولا تؤثر لأجل حصول مؤثر بالذات عنها. ولكن قد يؤثر لأجل مؤثر بالعرض، وهو عدم المكروه؛ إذ العدو إذا كان ذا فضيلة لم يحدث ضررا الذي هو عدم السلامة التي هي مؤثرة لذاتها. فيشارك هذا الوجه الأول؛ في أن الأول المؤثر فيه لا لذاته، بل لما عرض من أن كان هناك مؤثر آخر يلتفت إليه. ويفارقه المثال الأول في انه ليس سببا لذلك المؤثر ومؤديا إليه، بل عارضا له، فلا يقع له إيثار. ويفارقه المثال الثاني في أنه مؤثر، ولكن مؤديا إلى المؤثر بالذات، بل إلى عدم مقابله.

وموضع آخر قريب من الموضع الأول، وهو ان ما كان سببا للخير بذاته، كالفضيلة والكفاية، آثر مما هو سبب له بالعرض كالبخت. كما أم ما هو سبب للشر بذاته مثل القصور والرذيلة أولى بالاجتناب من السبب بالعرض كالبخت.

والفرق بين هذا الموضع والموضع الذي قبله، أن هاهنا قد أخذ الشيء سببا، وهناك أخذ مؤثرا. فهاهنا سببان لغاية، وهناك غايتان، أو سبب وغاية، بعد أن أخذا مشتركين في الإيثار في أن حصل لهما إيثار. فمنفعة الموضع هناك ليس في إثبات الإيثار نفسه، بل في أن يتعين أي الأمرين اللذين حصل لهما الإيثار أولى بأن يؤثر؛ ومنفعة الموضع هاهنا في نفس إثبات الإيثار، كأنه يوجب أن يؤثر شيء، وأن يكون هو كذا، وأنه آثر من كذا، فيكون هاهنا كالتضعيف في الإثبات بالقوة، وإن كان بالفعل إثبات واحد، وهو إثبات الآثر.

وما هو آثر عند الكل، وعلى الإطلاق، أي في عان الأحوال، آثر من الذي يصير آثر في حال، ووقت، وبحسب شخص بعينه لعذر لولاه لما كان آثر؛ كما أن الصحة آثر من البط بالمبضع للعلاج، فإن الصحة في نفسها آثر عند الذي يبط، بل ترك البط عنده آثر لولا العذر الواقع؛ وهذا حق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت