وفي"الأين"، كقولهم: النار أعلى من الهواء. وقد مثّل لهذا بعضهم مثالا سخيفا، وهو أن القوة النفسانية في الدماغ أو في القلب؛ وليس هذا اختلافا في زيادة ونقصان الأين، بل في نفس الأين.
وقد يكون في"منى"، كقولهم: تاريخ الفرس أقدم أم تاريخ العرب. وقد أورد له مثال آخر فقيل: أترى الصيف أصلح لأمر كذا أم الربيع، فأخذ الموضوع مكان المحمول، وطلب الأكثر والأزيد لا في أنواع"متى"مجعولة محمولات، بل في الأصلحية. والأصلحية ليست من مقولة"متى"، فإن الأصلح اسم مشترك يقع في مقولات.
وأما في مقولة"الجدة"فمثل قولهم: الترس أوقى أم الدرع.
وأما في"الوضع"، فمثل قولهم: الفلك في الإقليم الرابع أشد ميلا أو في الثالث.
وأما الأمثلة في"الفعل"و"الانفعال"، فسهلة مشهورة.
وقد جرت العادة أن يقال في هذا الموضع في وجوه المقايسات التي يتضمنها هذا النظر أشياء. قالوا: فمن ذلك أن يكون الموضوعات اثنين والمحمول واحدا، كقولهم: الغنى آثر أم الخلد. ومن ذلك أن يكون المحمول اثنين والموضوع واحدا، كقولهم: الفضيلة أنظر أو العمل. وهذا يرجع بالمعنى إلى الأول، فإنه كأنه يقول: النظر أكثر في الفضيلة أو العمل، ويكون المحمول هو الأكثر بالحقيقة. وإما أن يكون موضوعان لمحمولين، كقولهم: اللبن أشد في البياض أم الغراب في السواد. وإما أن يكون الموضوع مضاعفا في كليهما أو أحدهما، كقولهم: الحكمة مع الشجاعة خير أم الحكمة مع العفة؛ أو الغنى مع الصحة أفضل أم الفقر مع الحكمة. والفرق بين المثالين أن في أحدهما جزءا من الموضوع مشتركا، وفي الآخر ليس. وربما كان المحمول، بل الموضوع والمحمول مضاعفا، مثل قولهم: الحكمة مع العفة أنفع في الدنيا والآخرة من الحكمة والشجاعة.
فلنشتغل الآن بالمواضع.
فصل (و)
إن الأمور الظاهرة التفاوت لا تحوجنا إلى استعداد لها بالموضع، بل المواضع إنما تنفعنا فيما يخفى فيه التفاوت.
فمن المواضع أن ما هو أطول زمانا، وأكثر ثباتا، فهو آثر. وليس هذا بحق، إذا أخذ مطلقا. فقد يؤثر المؤثر القصير المدة العظيم في أنه مؤثر على الخسيس الطويل المدة؛ إلا أن هذا قد يستعمل في المشهور. وأما إذا تساوى الشيئان في النوع، فأطولهما زمانا، وأكثرهما ثباتا، فهو آثر. والفرق بين ما هو أطول زمانا، وأكثر ثباتا، أن الشيء قد يكون مساويا لنظيره في الزمان، لكنه إذا ثبت على حالة واحدة من الشدة، والآخر لم يزل يشتد ويضعف في تلك المدة كان هذا أكثر ثباتا.
ومختار الأريب الحسن الاختيار، أو الصالح، أو مختار الشريعة الصحيحة، أو مختار جماعة من مبرزين في الفضل والمعرفة في ذلك الباب، أو مختار الأكثر منهم، فهو أفضل. وهو مشهور؛ ويختلف. وكذلك ما يختاره الكل لذاته، فهو المتشوق إليه بحسب الكل، فهو أفضل في ذاته، وأولى بالاختيار وهذا إنما يكون حقا إذا كان الشيء مؤثرا في نفسه لذاته، لأنه خير. وأما إذا لم يكن كذلك، فهو مشهور، وليس بحق دائما. فقد يكون ما يؤثره الناس كلهم كالصحة والسلامة ليس كما يؤثره الفضلاء من السعادة في الآخرة.
والمختار في الصناعة التي هي أفضل كالفلسفة الأولى، أولى بالاختيار مما هو مختار في صناعة أخس، كالموسيقى. وهذا يصير حقا إذا اعتبرت أمرين: أحدهما أن يكون المختار في الفلسفة مثلا من جهة ما توجبه الفلسفة، لا الفيلسوف الذي قد يخطئ. والثاني أن تعتبر الوقت والحال؛ فإن الوقت من الأوقات قد يجعل اختيار ما هو في صناعة أخس أولى من اختيار ما في صناعة أرفع، مثل الوقت الذي يوجب اختيارا للناس على استخراج شكل من الهندسة. فيجب أن نقول: إن لم يكن الوقت والحال يوجب ما في الصناعة الخسيسة.
وموضع آخر: وهو أن ما هو في جنس الخير والفضيلة فهو أفضل من الذي ليس في جنسه؛ كالعدالة، فإنها من جنس الفضيلة، إذ هي نوع منه.