ويقال أفضل أيضًا على مثل ما يقال الأولى؛ وهو أن يكون أحد الأمرين له الفضيلة في ذاته، والآخر فضيلته مستفادة منه، أو بالعرض؛ وخصوصا إذا كان له في ذاته معنى أفضل بوجوه أخرى. وأما الأولى أيضًا، فيقال لما هو بهذه الصفة؛ ويقال لما هو أشد مناسبة، وهو أن يكون أمر يجوز أن يكون لأمرين، لكنه لأحدهما أشد مناسبة؛ مثل الكرامة، فإنه يجوز أن يكون للطارئ الذي لا ماتة له، لكنه للذي له ماتة في طبعه أولى. لأن الماتة، وهي علة من العلل المستدعية الموجبة لا يحكم فيها بالإيجاب، بل يحكم فيها بالأولى، إذا كانت توجب باقتران شرائط إليها؛ فإذا لم يشعر بجميع الشرائط التي تقترن بها حتى تصير علة موجبة، بل شعر بأكثرها، حكمنا بالأولى. ولو شعر بجميعها لكان الأمر عند الشاعر واجبا في كونه أو لا كونه. لكنه إذا كان الأمر الذي يقترن بالعلة الداعية في أحدهما أكثر من الذي يقترن بمثلها من الآخر، كان الحكم للأول أولى. وكذلك إن كان لأحدهما هذه العلة، ولم يكن للآخر، فالذي له العلة أولى. وأما الماتة فإنها داعية إلى الحكم، وليس يتم بها، بل يتم بأحوال إما فيه، وإما في المتوقع من عنده، وإما فيهما جميعا؛ بل ربما كانت، وربما لم تكن.
والأولى في الماتة يعتبر على وجهين: أحدهما بحسب الوقوع، والآخر بحسب الجميل. والأولى بحسب الوقوع هو كما يقول قائل: إن لفلان عند فلان حقوقا وقد قصده، فالأولى في نفس الأمر أن يتفق أن يقضيها، حاكما بأن ذلك الأمر واقع.
وأما الأولى بحسب الجميل، فهو أن يقول: فالأولى بالمقصود، أي الأجمل به، أن يقضيها ويعرفها، مع أنه ليس يلتفت إلى أنه يفعل ما هو أولى بأن يقع منه ذلك الأولى، بل على أنه الأجمل؛ ذلك وأنه إن لم يفعل فذلك قبيح به.
فالماتة تشارك سائر العلل التي ذكرها في أمر يوقع الوقوع؛ وتخالفها في أن العلل التي ليست بموات لا يعتبر فيها حال الجميل، لكنها إنما تقتصر بها على الوقوع. وإنما يقتصر من الموات وما يشبهها على الإيجاب الأولى، لأن الأسباب المحتاج إليها في أن تكون العلة علة بالفعل ما لم تجتمع لم يكن للمعلول وجود واجب. فإذا علم أن هذا الواحد منها قد وجد، وجهل الحكم في البواقي، وأنها هل اجتمعت، ثم كان موضع آخر لم تحصل فيه علة من تلك العلل، سبق إلى الذهن العامي أن المستحصل لعلة ما منها، أو للعلة التي تصير علة بالفعل عند شرائط، أولى بالوجود مما عدم فيه الأمران.
وأما العلل الأخرى أو الشرائط الباقية، فإنها لو كان اجتماعها كلها معلوما، لكان الحكم يثبت في أن المعلول واقع؛ ولو كان غير اجتماعها معلوما، لكان الحكم يثبت في أن المعلول غير واقع. لكن ما نشعر فيه بوجود سبب، أو بزيادة الأسباب المرجحة، نظن أن الأولى به أن يكون. فربما كانت الأسباب المرجحة متوافية في الجانب الآخر، إلا أنها تكون مجهولة. وربما لم تتواف الأسباب كلها لا في هذا ولا في ذلك، فيمتنع أن يكون ذاك ولا هذا البتة، وإن كان هذا أكثر أسباب. وأما الذي تتوافى فيه الأسباب كلها، فليس هو أولى بل واجب.
والقاصر الأسباب ليس هو لا أولى فقط، بل ممتنع أن يوجد. فإذن هذا القسم من الأولى مظنون لا وجوب له ولا امتناع، إلا أنه يفيد ميل نفس إلى أن الشيء يكون؛ وهو ظن ما يكون غير كاذبة إن كان الشيء متوافي الأسباب فوجب، ولم يكن أولى، وكاذبة إن لم يكن متوافي الأسباب، فامتنع ولم يكن أولى.
واعلم أن اعتبار الأزيد والأفضل قد يقع في كل مقولة. ولست أعني أن كون الموضوع لمحموله يكون في كل مقولة، فإن ذلك أمر لا كثير إشكال فيه، ولا أيضًا كثير منفعة في تعرفه.
ولست أيضًا أعني أن الذي إليه النسبة في أن الآخر أولى منه، أو ليس واقعا في كل مقولة، على ما دل عليه اختلاط أمثلة يوردها قوم؛ بل إن نفس ذلك المحمول قد يقع في كل مقولة. مثاله، أنه قد يقال: إن الصورة أحق بالجوهرية من الهيولي؛ ويقال: إن الشخص أولى بالجوهرية من الكلى. وهذا يكون لا على أن جوهرية أكثر من جوهرية، ولا أن جوهرية هذا أسبق من جوهرية ذلك، بل لأن ما يتساويان فيه يوجد له حكم ووصف هو أسبق لأحدهما وأكمل، وهو الوجود. وقد ذكرنا حقيقة هذا في موضعه.
وقد يقال في"الكم"و"الكيف"، وهذا ظاهر.
وفي"الإضافة"، كقولهم؛ إن صداقة فلان أشد.