وليس يجب أن يكون"على الإطلاق"بمعنى العام، الدائم، والكائن في كل شيء، إذ ليس ذلك هو الذي على الإطلاق بالحقيقة.
ويجب أن تعتبر الحصر وتترك الإهمال، فحينئذ يصير الموضع علميا. فإنه ما لم يوجد للشيء صفة، لم توجد له تلك الصفة بحال. ولا تلتفت إلى ما يقال من كذب الشيء مفردا، وصدقه مع شيء، وما عسى أن يوجد من مناقضة هذا الموضع. فقد علمت فصل القول في ذلك، حيث تكلمنا في الفن الثالث.
فصل (ه)
في الأوْلى والآثر
ويلي المواضع التي أعطيناها المواضع التي تعد نحو الآثر والأفضل. وظاهر الحال من البحث عن الآثر والأفضل، يقتضي أن يكون متعلقا بالأمور الخلقية، وما هو أولى بالإيثار والاجتناب فقط. لكن حقيقة النظر فيهما مقتضية للنظر في الأولى والأحرى، وفي الأزيد والأنقص. وذلك يتعدى الأمور الخلقية.
وأما مشاركة هذا البحث للبحث عن الأولى والأزيد، وما ليس بأولى وأزيد، فسيتبين لك من جهة أن جميع ما ينفع في الأزيد والأنقص، ينفع في الآثر والأفضل، وأكثرها ما ينفع في الآثر والأفضل ينفع فيهما، وإن كان ليس كله كذلك، على ما ظنه بعض المتكلمين في هذا الفن. وذلك لأن كثيرا من المواضع المعدة نحو الآثر والأفضل لا تنفع في الأزيد والأنقص، مثل المشهور: أن ما هو أطول زمانا فهو آثر، فإنه ليس يجب أن يكون ما هو أطول زمانا فهو أكرم في نفسه، أو أشد كرامة مما ليس أطول زمانا، أو يحمد ذلك.
واعلم أن المفهوم من الآثر غير المفهوم من الأفضل؛ وذلك لأن الشيء قد يكون أفضل ولا يكون آثر؛ فإن العلم أفضل، وليس آثر من اللباس عند العريان؛ فالموت على حالة كريمة أفضل من الحياة الخسيسة، وليس آثر.
وإذا قيل أفضل وأخير، فقد يقال ذلك عند التحقيق على وجوه: فيقال أفضل وأخير لشيئين متشاركين في نوع من الفضيلة تقبل الزيادة والنقصان، ويكون لأحدهما جميع ما للآخر وزيادة؛ مثل قولنا: فلان أيسر من فلان، إذا كان له جميع مقدار ما له وزيادة؛ ويقال أفضل للمتشاركين في نوع من الفضيلة يقبل الأشد والأضعف من غير أن يمكن أن يشار إلى قدر ما يساوي به الأفضل الأنقص متميزا عن الزيادة، لكن الحاصل للأفضل أشد، مثل الأجمل والأسخن، وغير ذلك.
ويقال أفضل إذا كان يشاركه في نوع الفضيلة، ذلك النوع إما أن لا يقبل التفاوت، أو إن قبل، فالذي لهما منه مثلا على السواء. لكن للأفضل فضائل أخرى من أنواع أخر، فتكون جملة ما لهذا أكثر مما لذلك؛ مثل أن يكون أحدهما شجاعا عفيفا، والآخر شجاعا مثله لكن عفيفا، فيكون الأول أفضل.
ويقال أفضل إذا كان ليس بينه وبين النقص مشاركة في نوع الفضيلة أصلا، ولكن في جنس الفضيلة، إلا أن النوع الذي له هو في جملة نفسه إلا هي دون النوع الآخر. لست أقول إنه أفضل من الآخر، فإنه بيان دور، ولكن أقول إنه إلا هي، والآخر ليس بالإهي، فهي أفضل. وأعني بالإلاهي: أن تكون فضيلة باقية لا تبيد، مثل الحكمة؛ أو تكون نافعة في الأمر الذي هو مطلوب لذاته. لست أقول في الأمر الذي هو أفضل، فيكون دورا، وهذا مثل النافع في الاخرة والمعاد. ومن هذا القبيل ما يحكم بأن الحكمة أفضل من اليسار. ويقال لما المصالح المتعلقة به، وإن كانت عاجليه، فهي أكثر عددا، وأعم، وأدوم معا من عاجليه أخرى. فإنه ليس إذا كان أكثر صار أفضل، بل ربما الواحد العام الدائم أفضل من الكثير.