قد يختلف ذلك بحسب مراتب الحكام في أذهانهم وثقافة آرائهم، أو أضداد ذلك، وخصوصا في المشوريات. وأما الخصومات، فيشبه أن يكون الاعتماد فيها على السنن المحفوظة أكثر منه على القرائح المميزة. فإذا كان الخطيب خبيرا بحال الحاكم، وحال خصمه، انتفع بذلك. فإن الحكام لا يتساوى ميلهم إلى من يحبونه، ومن يشؤونه، وحكمهم لمن يضمرون عليه موجدة، أو لا يألونه مسالمة. فكذلك إذا استدرج الحاكم بالمخاطبة في خلل المرافقة إلى قلي يعتقده للخصم وسخط عليه، ومحبة يعتقده للخطيب أو رحمة إياه، أو غير ذلك مما يميله إليه ويشدده على خصمه، أو كان حسن الظن بالمتكلم الخطيب مستنيما إليه، لما يتخيله من فضيلته ودمائته، أو صار كذلك، لم يبعد أن يصير به إلى خير، كما أنه لا يبعد أن يكون متعسرا على المريب المتعسر. فما أطوع الطباع لمدامثة المدامث، ومشاكسة المشاكس. والمتكلم قد يقع التصديق به للثقة بلبه، أو للثقة بفضيلته، أو للثقة بمؤالفته وصداقته. وقد يقع التكذيب لأضداد هؤلاء. كما قد يقع الكذب في المشورة من المشيرين: إما لجهلهم، وإما لشرارتهم ومحبتهم الشر للناس، وإما لأنهم غير معنيين بالمشار عليه، فلا يصدقون النظر في أمره، ويشيرون عليه بالفطير من الرأي. فأما امتحان الإنسان وتعرف حاله في أصالة لبه، وزكاء خليقته، فإنما يتيسر الوقوف عليه باعتبار الأنواع المعطاة في باب المدح والذم. وأما حال الألفة والصداقة واعتبارها فسيرد من الأنواع في ذلك ما يزيح العلة في الحاجة إلى معرفته حين نذكر الانفعالات، وهي الأحوال التي يختلف - باختلاف تكيف الحاكم بها - حكمه.
فلنبدأ من هذه الأحوال بالغضب، والمغضب، والمغضوب عليه. فأما الغضب، فهو أذى نفساني لشوق من الإنسان إلى إحلال ما يرى عقوبة بسبب اعتقاد استصغار وازدراء من الذي يغضب عليه إياه. ولذلك فالغضب لا يتناول أمرا كليا يغضب عليه، لأن الأمر الكلي لا يصدر عنه احتقار، ولا يرجى منه انتقام، بل المغضوب عليه شخص أو نفر. وقد علمت ما يلزم الغضب من اللذة التي تستدعي إلى التزايد فيه. وأما الاستحقار: فهو أن يظهر من حال الشيء قولا أو فعلا أنه لا يستحق الاعتناء به، والالتفات إلى كرامته، وأنه لا يخاف شره ولا يرجى خيره. وينحصر في ثلثة أقسام هي: الاستهانة، والعنت، والشتيمة. والاستهانة: إظهار ما يدل على دناءة المستهان به. والعنت: هو التعرض له عند ما يحاول حركة أو سكونا بإرادته ليصد عن ذلك لا لغرض إلا للالتذاذ بضجره أو حيرته. وهذا لا يفعل إلا بمن يعد غير معتد برضاه ولا سخطه، كأنه لا يرجى ولا يتقى.
وأما كيفية الإضرار بالشتيمة وأنه لا يصدر إلاعن استحقار فهما ظاهران لا يحتاج إلى كشفهما. والشتم أيضًا مما يلتذ له الشاتم لما يتخيله عندما يشتم من الغلبة، وما يتوهم عند نفسه من سبقه المشتوم في الفضيلة لبراءته عما قذفه به من المثلبة. والأحداث والمثرون شتامون فحاشون لهذا السبب. والطنز تركيب من العنت والاستخفاف، أو العنت والشتيمة، على ما يشرح في موضعه.