وأقل الناس احتمالا للمخرجات وحلما عند لذع المغضبات من يرى لنفسه فضلا بحسبه، أو قوته، أو فضيلة فيه، أو سلطان، والمتنعمون، ومن يتوقع إكراما وإنعاما فيخفق، أو يتلقى ممن يتوقع ذلك عنده استخفافًا وهوانًا في نفسه أو ذويه بقصد من الآخر. والمشغول بألم في بدنه أو مقاساة أذى من غيره أو مصائب فجعته أو نوائب فدحته مستعد للغضب من أدنى مغضب. ولذلك من منى بالعسرة، أو قصر عن مشتاق إليه من الأغراض فإنه لا يتفرغ للشهوة واللذة، ويضطرب عند عارض الغضب. وقد يسرع إلى الإنسان الغضب على من يتهاون بعارض له من ألم بدني أو نفساني، أو بما يهمه من استخبار حال أو مزاولة قتال، أو يتهاون بحقه من الصداقة. وكذلك المخفق في أمله، فإنه تعرض استشاطته غضبا على من حرمه أمله، وعلى غيره. ومن جنس الشتيمة والاستهانة تحقير ما يؤثره أهل الاجتهاد في العبادة والفضيلة، أو في تعليم أهل الاجتهاد الحكمة وتعلمها، وترذيله. فإن الجمهور كثيرا ما يتطانزون بهؤلاء لقصور أوهامهم عن إدراك المنفعة فيما يدأبون فيه، فينسبوهم إلى أنهم متشحطون فيما لا منفعة فيه، ولا قوة منفعة. فإذا فطن المجتهد والمتعلم لصنيعهم امتعض وارتمض. لكن العامي أيضًا آخر الأمر فقد تحوجه الأحوال إلى ترضى الأمناء والفضلاء فيما يتوقعونه من حسن قيامهم على الودائع، وحسن توسطهم في الأمور، بما يعرفه العامي من تدينهم بإحسان المعونة من الافتقار إلى عدالتهم في باب الشهادات التي لا بد منها في المعاملات، فحينئذ يتألفونهم ويستعطفون قلوبهم، ويرون في استيحائهم منهم خسرانا ووضيعة.
ومن المغضبات: قطع العادة في الإحسان، والقعود عن جزاء الجميل بالجميل. فكيف إذا ساء المجازاة، وقوبل الجسيم من النعمة بالسيئة أو بالكفران، أو باستخساس ما أسدى من الإحسان وإيقاعه موقع القاصر عن الاستحقاق. فبعض هذه الوجوه خسيسة وهو قطع العادة، وبعضه أخس وهو القعود عن الجزاء، وبعضه لا كلام في قبحه وهو سوء الجزاء. وقد يغضب المرء على صديقه، إذا استحل السكوت عن الجميل في بابه، إذا أصابه بأساء فهانت عليه، ولم يمتعض له، ولم يحسن مشاركته إياه فيها؛ أو أصابته فاقة، وبه سده، فلم يرتج له. وكذلك إن كان مكانه أهل عنايته، ومن يهمه أمره. وذلك لأن هذا كله دليل على الاستهانة.
وأصناف الاستهانات الموجبة للعتب،: الاستهانة بالمر نفسه، والاستهانة بمن يكرمه، والاستهانة بمن يتعجب المرء، والاستهانة بما يجلب فضيحة على الصديق. ومن هذه الأصناف: غضب الوالد على أولاده، والمتسلطة على زوجها.
والبخس في كل مستحق هو من الاستهانة. وكذلك تلقى جد الجاد بالهزل. والتخصيص بالحرمان من يبن الأشكال. وتناسي الصديق حتى يمحو اسمه أو قصته عن الذكر. فقد استقصى شرح ما يتعلق بالغضب.