فهرس الكتاب
فلننتقل إلى شرح الحال في ضده: وهو فتور الغضب. وإنما يفتر عمن لم يقصد الاستهانة بالمنة، يل سها أو غلط؛ وعمن يتعدى الإغضاب إلى العذاب، فيشغل الألم عن الحرد؛ وعن الذي يعامل نفسه بما عاملك به؛ وعن المعترف والمستغفر بالتوبة. كما أن المصر على الإنكار والجحد لوقاحة أو لاستخفاف فإنه يؤهل لمزيد الغضب على ما كان عليه من الغضب. وعن المتخاشع المتذلل المستكين المتساكت الذي لا يعتصم باللجاج والحجاج، ويستنبت السكون من الاعتراف المخجل. وقد تجد الكلاب المتهرشة، إذا أولعت بالحمل على عدة، فقعد بعضهم، واستعجل بعضهم كأنه يجالدها، كفت عن المستخذي بالقعود، وحملت على المجالد. وقد يفتر الغضب عن القوم الهشاش جدا. فإن الأريحية التي تتوسم فيهم لمفراحيتهم تحيل النفس إلى مثلها في بابهم، كأن الهشاشة إحسان يقتضي جزاء. وكذلك الفقراء الذين بأحوالهم ضر؛ وكذلك المستغفرون المحتجزون؛ وكذلك المشاهير بكف الأذى، وغض الطرف، وقصر اللسان، فإنهم يحتمل عنهم بوادرهم ونوادرهم. وكذلك المهيبون والمستحيي منهم؛ فإن الغضب لا يجامع المهابة، ولا الخجل. والاستهانة، إذا صدرت عن محتشم، ظنت نتيجة سخطه، فلم تعتقد استهانة محضة، بل اعتقدت تأديبا وتثقيفا، وعد تأهيله للغضب عليه مضادا لاحتقاره. فإن البالغ في السقوط لا يسف إليه السخط، ولا يعتري منه الحزن، ولا الأذى المستشعر مع استشعار استهانته. وكذلك الاستهانة التي تكون في حال المزاح، فإنها تدل على التذاذ المستهين بمحاورة المستهان به، ومخالطته؛ وذلك لعزه لا لحقارته. والملهو به فقد لا يغضب لرجائه الخير ممن يلهو به. وكذلك إذا أتى بفعل مغضب مشوبا بسد خصاصة، وإسداء معروف. وإذا طال الزمان على المعنى المغصب انمحق أثره، فلم يغضب، أو فتر عنه الغضب. ومما يسكن الغضب. الظفر، وإدراك الثأر، وانصباب عذاب على المغضبين، ولو من السماء. والعازف بزلته وجنايته، الواقف باعتباره على خطيئته، المتحقق لا ستحقاقه ما يجري عليه من الاحتقار، فإنه لا يحرد في التعنيف به حرد المصر على الإنكار، وخصوصا إذا عوقب أولا بالكلام؛ وذلك أن يواقف على سوء صنيعه، ويوبخ عليه. وإنما يغضب في مثل هذه الحالة من الناس من هو غال في الزعارة. ومما يسقط الموجدة على المسيء جهله بالإساءة، وغفلته عن الفرقان بين الجميل والقبيح. وإن هلاك المغضب ولحقوه بالدار الآخرة لمما يسل السخيمة عن القلوب، فضلا عن الغضب.
فصل