فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 781

الصداقة حالة الإنسان من حيث يهوى الخير لإنسان آخر، لأجل ذلك الآخر، لا لأجل نفسه. فتكون له ملكة داعية إلى فعل الخير لذلك الآخر. والصديق هو الذي يحب ويحب معا، ويشارك في السراء والضراء، لأجل صديقه، لا لأجل نفسه. وإنما يظهر صدق الصداقة عند الارتياح لما يسر الصديق والاغتمام لما يسوءه. لأن العدو بالضد. والمحببون إليك من الناس هم المحسنون إما إليك، أو إلى من منك بسبب، وخصوصا إذا توالى الجسيم من إحسانهم عن طيب نفس، وطلاقة، من غير استثقال. وكذلك الذين يرتجى مثل ذلك فيهم. وكذلك حبيب الحبيب، وعدو العدو الذي يبغض العدو، أو يبغضه العدو. والذين يطمعون غيرهم ولا يطمعون، مثل الأسخياء والشجعاء والأبرار. والذين يقتنعون بما يكسبونه بكد أنفسهم، ويحسمون مواد الأطماع عن غيرهم، مثل الذين يتعيشون بغنائم الأعداء. وكذلك سلماء الصدور محببون، لكفهم الأذى وإيمانهم الناس غوائلهم. وكذلك ذوو الفضائل الذين يستغنون عن الآخرين، ولا يقدم أحد على إكرامهم إلا بالاستئذان، ويستشعر من يبرهم منة جسيمة حين يجاب إلى القبول. وكذلك الظرفاء الألذاذ في عشرتهم لما يتوقع من مساهلتهم، ومساعدتهم، ولمهم الإنسان على شعثه، وقلة معاتبتهم على التقصير، وشدة أمان الأصدقاء توبيخهم على التفريط. وأضداد هؤلاء هم الصخابون، المعاسرون، العدال. وإن كان ليس كله للنكد، بل وللشفقة. ومنهم الصلاب، المحتملون لأنواع العقوبة، المصطبرون عليها؛ فإنهم إنما يفعلون ذلك لشراسة أخلاقهم. ومن المحبوبين: المداحون المتملقون، والمتجملون الحسنو البزة، والذين لا يعيرون، ولا يعاسرون، ولا يربون الوغر في الصدور، ويمقتون اللجاج فإنهم إذا جرت عادتهم هذه في الناس، رجا كل إنسان منهم مثل ذلك مع نفسه. وكذلك الذين يملكون ألسنتهم فلا يهجرون ولا يفيضون في ذكر الشر. ولمثل هذه العلة ما تنحل عقدة الموجدة، إذا تلقيت بالسكون والاستخذاء. والشريك في الحرفة والعادة. والذي يظن بالإنسان فضيلة أو تعجبيا ويأنس به هو محبب عند المظنون به. وكذلك المكرمون المبجلون. وكذلك من تود أن لو حسدك من غير تعديه إلى تربص غيلة بك؛ فإنك لو لم تعتد به، لم هو حسده لك، والمعتد به، إذا أمن شره، فهو معرض للمحبة. وكذلك من تحب أن يحبك. ومن المحبين أيضًا من يبذل مودته للداني والقاصي من غير تملق وتصنع. ومن المحبين من يوثق بحسن كتمانه لما يقف عليه من مساوئ الإنسان. ولذلك فإن الوقاح يحب الحي، لأنه يأمنه.

فأما أنواع الصداقة فثلثة: أولاها الصحبة، وهي حالة تتأكد بين اثنين لطول التشاهد؛ وثانيها الأنس، وهو الالتذاذ بالالتقاء؛ وثالثها الوصلة، وهي المشاركة، إما في القرابة كالمصاهرة، وإما في النعمة كالمهاداة.

وأما العداوة فيوقف على أحوالها من أحوال الصداقة، على مقتضى المقابلة. ومن أسباب العداوة والبغض: الغضب. لكن الغضب لا يكون إلا على شخص، والبغض قد يكون للنوع، وما يشبه النوع، كبغضك للسارق على الإطلاق. فمن هذه الأنواع يمكن أن نبين أن فلانا صديق وفلانا عدو، ومنها يمكن أن تقرر في نفس الحاكم والسامعين على سبيل الاستدراج عداوة للخصم وغضبا عليه، ومحبة للمتكلم وميلا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت