فمن المشهورات ما يكون السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به، وإجماع أرباب الملل عليه، قد رآه متقدموهم ومتأخروهم، حتى إنها تبقى في الناس غير مستندة إلى أحد، وتصير شريعة غير مكتوبة، وتجري عليها التربية والتأديب؛ مثل قولهم: العدل يجب فعله، والكذب لا يجب قوله.
ومنها ما يكون السبب فيه الاستقراء.
ومنها ما يحمل عليه الحياء والخجل والرحمة والحشمة.
ومنها ما يحمل عليه مشاكلته للحق، ومخالفته إياه بما لا يحس به الجمهور، إذا لم يعاملوا بالمعاملة التي ذكرناها، مما ينبههم على طريقة امتحان المجهولات. وذلك نوع من قصد المعاندة والمناصبة. فربما كان الشيء يقبله الطبع إذا كان المصفى إليه ليس يصغي على نحو معاندة ومناصبة. ثم إذا تعصب، ونصب، وطلب وجه الخلاف، أحس بما له فيه أن لا يسلمه. وربما كان اسم مشترك سببا في شهرة الشيء.
وإذا كانت المشهورات صارت مشهورات بالانقياد والإذعان المبني على غير الوجوب الصرف، فله لا محالة أسباب تختلف بحسن موقعها ولطفه، وبسوء موقعها وعنفه. والأمر الشديد الكلية بعيد عن الذهن، سيشمئز عنه الذهن ولا يقبله، فيكون استعمال الجزئي من الموضع مقدمة نافعا محمودا، واستعمال الكلى مقدمة أمرا بعيدا عن الذهن؛ وإذا استعمل وجدت المناقضات له كثيرة، أكثر مما توجد للجزئي. فإن ما ينقض الجزئي ينقضه، أعني الكلى، وسيوجد له ما يخصه.
وربما نبه هو على طلب مناقضة لا ينبه له الجزئي؛ فإن القائل:"إن كان الإحسان إلى الأصدقاء صوابا، فالإساءة إلى الأعداء صواب"، فلما يفطن له خصمه أن ينقض كلامه، بأن يقول:"ليس إذا كان الضد لشيء، وجب أن يكون ضده لضد ذلك الشيء". وإن فطن أيضًا، لم يضره؛ فإن ذلك يقول: أنا لم أقل إن كل ضد لشيء يجب أن يكون ضده في ضده، بل إنما قلت ما قلت في أمر جزئي. وليس إذا وجب قبول ليس إذا كان الزوج والفرد لا يتعاقبان على موضوع واحد، وكان ذلك حقا أو مشهورا، أوجب أن يكون مثل ذلك حقا ومشهورا في كل متضادين أو متقابلين. فأما إذا بدأ ووضع الكلى، لزمه النقض حين استعمله، وحين جعل الإحسان والإساءة مستنبطا من حكمه، وصرح به، واعترف به. فإن استنبط ذلك الحكم في نفسه من هذا الحكم، نفعه الاستنباط فيه وفي غيره، وخصوصا إذا لم يشهره مصرحا به.
وأخص من ذلك إذا لم يوجد ما يقاوم به الجزئي فسلم. فإن العامة ومن يجري مجراهم، إذا فهمت شيئا، ووجدوا له أمثلة، ولم يجدوا مثالا ينقضه، سلموه في أكثر الأمر كأنه حكم واجب، ويكون الكلى الذي هو الموضع قانونا معدا له. فأما إذا استعمله بالفعل عرضه للإبطال، وعرض بيانه المؤلف منه للإبطال.
على أني لا أمنع أن يكون موضع من شأنه أن يصير مقدمة أو يستعمل مقدمة، بل أقول كثير من المقدمات المشهورة فهي مواضع فقط لا يحسن استعمالها مقدمات قياس، مثل أن طرفي النقيض لا يجتمعان، وأن الكلى الموجب ينعكس جزئيا موجبا، ومنها ما يحسن أن يكون موضعا ومقدمة، فيكون نافعا في أنه قانون، ونافعا في أنه جزء قياس معا وذلك مثل المثل الذي ضربناه. وكثير منها لا يصلح أن يجعل قانونا على سبيل الكلية، بل على سبيل التمثيل؛ وذلك لا يسمى موضعا. بل الموضع ما يولد الجزئيات من حيث يعمها، ومن حيث ينزل إليها حكمه. وهذا وإن اتفق أن كان حكم موضعا ومقدمة، فهو موضع من جهة؛ ومقدمة من جهة. أما موضع، فمن حيث يستعمل على انه قانون، وأما مقدمة فمن حيث يستعمل جزء قياس.
ولست أستحسن ما يقال من أن الموضع مقدمة هي كذا وكذا، إذ كانت المقدمة إنما هي مقدمة لأنها جزء قياس، وكان الموضع إنما هو موضع لأنه ليس جزء قياس. وإذا كان الشيء الواحد يصلح أن يحفظ قانونا يولد منه أجزاء القياس ويصلح أن يكون نفسه جزء قياس فهو شيء واحد يصلح أن يكون موضعا ومقدمة. وليس من حيث هو موضوع مقدمة فلا يجب أن يؤخذ مونه مقدمة في حد كونه موضعا. ولو قيل بدل المقدمة قضية كان أقرب إلى الصواب.