فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 781

وظن قوم أن الجدلي، وإن كان له أن يتكلم في كل مسألة حتى في مسألة طبية وطبيعية وغير ذلك، فإنما يجب عليه من حيث هو جدلي أن لا يتكلم من مبادئها، بل من المبادئ المشهورة المشتركة. وليس كذلك؛ بل يجب أن يقال أنه ليس يكون جدليا بأن يكون كلامه مقصورا على استعمال مبادئ تلك الصناعة بأعيانها، كما يكون كلام التعليمي مقصورا عليه؛ بل بأن له أن يستعمل المبادئ المشتركة أيضًا القريبة عن ذلك إذا كانت مشهورة، على أن يعلم أن له أن يستعمل المبادئ الخاصة بتلك الصناعة المشهورة فيما بين أهلها. بل التعليم الأول يكلف الجدلي أن يقتني الشعور بالمشهورات الخاصة عند أهل صناعة، كانت مبادئ أو كانت بعد المبادئ من المطالب التي أنتجوها من تلك المبادئ، فهي مشهورة فيما بينهم معلومة لديهم، وحتى أن الجمهور ربما شاركوهم في قبول تلك على سبيل التسليم والحمد. وربما كان أيضًا منها ما سبيل البرهان عليه بعيد، والقياس عليه من المشهورات مما لا يمكن، إلا أنه حين قبل واشتهر صار من المشهورات في أهل الصناعة؛ فللجدلي أن يستعمله من حيث هو مشهور، مثل كون الشمس أكبر من الأرض. وربما كان شيئا ليس عليه برهان، مثل كون زحل نجما؛ ومثله يستعمل في الجدل. فلا يجب أن تلتفت إلى ما يقال من خلاف هذا. بل ليس للجدلي أن يستعمل من أحكام صناعة ومبادئها ما لم يكن مشهورا إلا على سبيل التسليم من خصمه حين يسلمه ما هو غير مشهور، ولا أن يحاول النظر فيما يبعد عن أوائله مسافة مديدة، وكانت أوائله حقيقية أو ذائعة؛ إذ الجدلي لا ينفع بقياسات يقصر وقت تام للمخاطبة عن استيفائها مسرودة.

والكتاب الموضوع للجدل في التعليم الأول قد يسمى بكتاب المواضع.ومعنى الموضع حكم منفرد من شأنه أن تتشعب منه أحكام كثيرة تجعل كل واحد منها جزء قياس؛ مثل قول القائل: إنه إن كان الضد موجودا لشيء، فضده سيكون موجودا لضد الشيء. فهذا حكم مشهور. وليس غناؤه أن يستعمل في القياس على هذه الصفة؛ بل إن استعمل على هذه الصفة، فربما ضر؛ حينئذ يشعر بما يفسده وينقضه، إذ ربما يشعر عند تأمله بضد يكون لشيء، ومقابله ليس لضد الشيء، بل لمثله؛ كالبياض فإنه للجسم، وأيضًا فإن السواد له. وأما إذا استعمل جزئية مقدمة قياس، لم يشتغل بنقضه إلا بما لا يدخل في الجملة المذكورة من جزئياته التي هي جزئيات الكلى الأول. فربما لم توجد له مناقضة، ووجد لكليه مناقضة. وربما كان هو أقرب إلى الشهرة، فكان الكلى أمرا عقليا غير مشهور. فإن الأمور إذا رفعت إلى أحكام عامة كلية جدا بعدت عن الشهرة. فإنه إذا قيل مثلا: إن كان الإحسان إلى الأصدقاء صوابا، فالإساءة إلى العداء صواب، كان هذا في حد جزئيته قريبا من القبول. وإذا أريدت مناقضته، طلب جزئي تحت الإساءة إلى الأعداء، حتى يناقض به لو طلب شهرة مقابلة لهذا الجزئي فقط، حتى يناقض به، ولم يلتفت إلى أمور خارجة عنه في أكثر الأمر. وأما إذا أخذت المقدمة العامة المذكورة، فربما لم يفهم. فإن تصور الكلى جدا أبعد من العقول، وربما فهم بعسر وجهد، وكان وقوعه بالجهد والعسرة مما ينزه الحمد، كأن المحمودات والذائعة أمور سهلة التصور، وكأن سهولة التصديق تتبع في أكثر الأمر سهولة التصور، وكأن صعوبة التصور توجب صعوبة التصديق، فكان عب التصديق بعيدا عن الشهرة، حتى لو كان الشيء مشهورا. فتكلف تعويض العبارة عنه أورثه ذلك سوء الفهم، وأورث سوء الفهم نفور الطبع إباء للتصديق، فكأن التصديق والحمد زايلانه. وذلك لأن الحق حق بنفسه، والمشهور يكتسب الشهرة لأحوال تقرن به، منها سهولة انجذاب النفس إليه؛ فإن المنجذب إليه بسهولة يعرضه ذلك لسرعة تسليمه؛ وكان الإنسان الحسن البيان أقرب إلى أن نسلم له ما يقوله من غيره، وإن تشاركا في القول. كما أن الموثوق به، والمحتشم، والمحبوب، يسلم له الشيء الذي لو طالب بتسليمه غيره ممن يقابله، عووق ومونع؛ فإن التسليم والشهرة ليسا مبنيين على الحقيقة، بل على جسب مناسبتهما للذهان، وبحسب أصناف التخيل من الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت