فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 781

فيجب إذا تأمل المشهورات من يستنبطها ويحصلها من المسموع والمكتوب أن يضيف ما يقع في فن واحد بعضه إلى بعض، ويجمعه في مجمع واحد؛ فإنه لا قياس جدلي إلا من مقدمات جدلية؛ وأصل المقدمات الجدلية هي المشهورات، فيجب أن تكون معدة، ويجب أن يجتهد حتى تكون المقدمات مأخوذة عنده بوجهين: أحدهما أن يصيرها مجموعة إلى حكم عام، وهذا للحفظ؛ مثل أنه يجب أن يجتمع لنفسه من أحكام المتضايفات والمتضادات حكم واحد عام المتقابلات حتى يجتهد أن يكون عنده بدل قوله: المتضادات كذا، إن المتقابلات كذا.

والوجه الثاني أن تكون مفصلة عنده، مقربة إلى الجزئيات، حتى يكون له تصرف في كثرة. وهذا السبب أنفع للاستعمال؛ فقد بينا سالفا أن أخذ الجدلي المقدمة في الجدل وهي أقرب إلى التفصيل أنفع له. فإذا كان عنده المتقابلات فصل ذلك إلى المتضادات وما معها، وإذا كان عنده المتضادات فصل ذلك إلى الأضداد الجزئية، فقال مثلا: العلم بالحار والبارد واحد، والعلم بالرطب واليابس واحد، والعلم بالفضيلة والرذيلة واحد، وكذلك.

والآلة الثانية القدرة على تفصيل الاسم المشترك والمتشابه والمشكك؛ وهذا ليس قانونا كالوضع، أي بحيث بالقرب مقدمات محصلة نحو مطلوب معين، بل إنما منفعته ما سيرد من بعد ذكره. فلا يجب أن يقتصر على أن كذا لفظ مشترك، بل أن تكون له قدرة على إيراد حدود ما تشترك فيه الحدود التي تدل على مباينة بعضها لبعض. فلا يقول مثلا إن الخير لا يقال على الشجاعة والعدل والعفة، وعلى المصح والمخصب بمعنى واحد فقط، بل وأن يبين كيفية ذلك، بأن يبين القول والحد؛ فيبين مثلا أن الشجاعة والعدل خير على أنها كيفية الخير نفسه. وأما المصح والمخصب فخير على أنه فاعل لكيفية الخير.

وأما القوانين النافعة في معرفة أن الاسم الواقع على أشياء كثيرة يقع عليها وهي ذوات ماهيات وحقائق مختلفة أو يقع عليها بمعنى واحد، فمنها إن كان للشيء ضد فينظر هل الأشياء المعدودة مضادة للأشياء المتفقة في ذلك الاسم هي واحدة في الاسم أو مختلفة في الاسم، فإن وجدها مختلفة الاسم في أول الأمر سهل عليه الوقوف على أن الاسم اسم مشترك. وإن لم يجدها مختلفة الأسماء، بل واحدية الاسم في جميع ما يقابل المسميات بالأول تعذر عليه؛ فإنه لا يمتنع أن يكون اسم مشترك وبإزائه اسم مشترك كالمضاد له.

فأما مثال الأول، فإن اسم الحاد يقع على الصوت وعلى السيف، ويوجد له من حيث يقع على الصوت مضاد مخصوص باسم الثقيل، ومن حيث يقع على السيف مضاد مخصوص باسم الكليل؛ وحداهما مختلفان، فسيكون الحاد في الصوت والسيف باشتراك الاسم. وأيضا يقال ثقيل للجسم الطبيعي وللصوت، لكن المضاد للجسم الثقيل مخصوص باسم الخفة، والمضاد للصوت مخصوص باسم الحدة، فالثقيل سيقع عليها باشتراك الاسم. وكذلك النظيف، فإنه يقابله في الحيوان السمج، وفي الثياب الوسخ.

وأما مثال الثاني، فهو أن يكون المضاد واحدي الاسم المشترك، كما يقال صوت صاف، وبالفارسية"روشن"، ولون صاف، وبالفارسية روشن. ويقال صوت كدر، ولون كدر، وكلاهما بالفارسية أيضًا"تيره". فهاهنا لا ينتفع فيه بذلك القانون ولا يوجد من جهة التسمية مخلص عن الشبهة؛ بل الحد والماهية والعلامة والخاصة هي التي تدل في أمثالها على الاشتراك، فإن الصفاء لو كان له فيها معنى واحد لكان مدركه حاسة واحدة؛ لكن ليس كذلك، بل مدرك أحدهما السمع، ومدرك الآخر البصر، كما أن مدرك الحاد الطعمي هو الذوق، ومدرك الحاد الشكلي اللمس. ولمثل ذلك ينفع في التمييز بينهما لا اعتبار الاسم، إذ كان لا يبعد أن يتفق أن يسمى ضداهما جميعا كاللين. وأيضًا إذا كان المعنيان المسميان بالاسم يوجد لأحدهما ضد، ولا يوجد للآخر البتة، مثل اللذة فإنه يقال لما يجده الصادي عند شرب الماء، ويقال لما يجده الذهن عند إدراك الحق؛ لكن لتلك اللذة أذى مقابل محسوس عند العطش، وأما التذاذ النفس بان القطر لا يشارك الضلع، فليس له أذى يقابله في الناس العاميين. وكذلك المحبة إذا قيلت للناسوجد بإزائها بُغضة لمثل ما يحبه؛ وأما إذا قيلت للأحجار كمغناطيس حين يجذب الحديد، فلا يوجد بإزائه بغضة المغناطيس لمثل ما يحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت