وأيضًا ينظر في حال تضاد كل واحد من المسميين هل أحدهما له واسطة والآخر ليس له واسطة، فإنه لا واسطة بين السواد إذا مثل على الجهل، والبياض إذا قيل على العلم، وواسطة بين السواد إذا قيل على لون ما، والبياض إذا قيل على آخر. وكذلك إن كان في كليهما واسطة لكنهما مختلفان، فغن بين الأسود المقول في لغة اليونانيين على الصوت والأبيض المقول عليه واسطة هي المتخلخل، ومثلها بين اللونين هو الأدكن. وأيضًا، فواسطة ما بين الصوتين واحدة، واحدة الاسم؛ وواسطة ما بين اللونين كثيرة، كثيرة الأسماء.
فهذه قوانين من جهة التضاد. فإن لم يكن للشيء مقابل بحسب التضاد، فإنه لا محالة يكون له مقابل على سبيل التناقض البسيط الذي عرفته، وعرفت الفرق بينه وبين التناقض القولي. فغن وجدت اللفظة السلبية مشتركة، فكذلك اللفظة الإيجابية، كقولنا: لا يبصر، ولا يستعمل البصر، فإن أحدهما إن كان مشتركا فيه؛ فالبصر بإزائه مشترك فيه. وكذلك إن أخذت المقابل من طريق الملكة والعدم، فإنه إن كان البصر على وجهين: بصير قلب وبصير عين، فكذلك العمى. وبالعكس، إن كان العمى عميين. فالبصر يدل على معنيين. وأيضًا إن كان العلو مشترك يقال على المكان ويقال على الفضيلة، فكذلك اسم السفل والتحت مشترك.
وأيضًا يجب أن تعتبر التصاريف والاشتقاقات كذلك؛ فإن كانت العدالة والكون على سبيل العدالة مشركا، فالعدل مشترك. وإن كان المصح مشتركا، فالصحيح مشترك.
وأيضًا يجب أن ترفع الأمور المسماة بالأسماء إلى أجناسها، فإن اختلف ارتفاعها فالاسم مشترك؛ فعن الخير إذا قيل للملك، وقيل للفضيلة، وقيل للمساوي، وجد الأول يرتقي إلى الجوهر، والثاني إلى الكيف، والثالث إلى الكم، فيكون إذن اسم الخير واقعا عليها بمعان مختلفة؛ اللهم إلا أن يعني بالخير أمر من الأمور اللازمة التي تشترك فيه لا على سبيل الاشتراك في المقومات فيكون حينئذ من السماء المشككة. إلا أن الخير ليس كذلك فإن الملك خير على أنه جوهر كامل الوجود ليس فيه ما بالقوة، وليس خيرا لأنر يعمه والمساوي، وكذلك إن لم يرتفع إلى أجناس عالية مختلفة، بل أجناس متوسطة مختلفة مثل الأبيض في الألوان والأبيض في الأصوات، ومثل الحاد من الأصوات والحاد من الزوايا؛ ومثل ما يقال الآلة القبان حمار، وللحيوان فإنها ليست ترتفع إلى أجناس عالية مختلفة ليس يحمل بعضها على بعض وفصولها متعاندة؛ ولكن ترتفع إلى أجناس قريبة مختلفة، فغن آلة القبان لا تدخل في جنس الحمار القريب الذي هو الحيوان وإن كان يدخل في جنس له دون أعلى الأجناس. وكذلك جنس أحد الأبيضين اللون والآخر الصوت، وهما داخلان تحت جنس دون أعلى الجناس. وأما إذا وقعت في أجناس مرتب بعضها تحتها بعض، فلا يدل ذلك على وقوعها تحتها بالاشتراك؛ فإنه قد يكون للشيء الواحد دائما جنسان مختلفان بهذه الصفة، بل ربما كانت أجناسا مختلفة ليس عن فصول متقابلة بل متداخلة؛ مثل الحيوان الناطق والحيوان المائت، إذا جعلنا الناطق أكثر من الإنسان عموما.
وقد يعرض من جهة الأجناس والأنواع التي بعضها فوق بعض أن يكون الاسم الواحد يقع بالاشتراك على شيء واحد من حيث يدل على العم والأخص كما قد علمت مرارا. وقد ينفع هذا النفع بعينه النظر في الأمور التي ترتفع إليها لا مفهومات اسم الموضوع بل مفهومات أمور أخرى عند اعتبار المضاد والمقابل؛ مثل أنه إن كانت المتقابلات ترتفع إلى أجناس مختلفة فاسم الضد مشترك، واسم الموضوع أيضًا مشترك؛ وكذلك من التصاريف.