فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 781

وما كان كذلك فيحسن أن يخص باسم الوضع؛ فغن العادة جرت بان يخص ماله معنى من المعاني المسماة باسم وليس له غير نفس ذلك المعنى باسم ذلك المعنى، على سبيل ابتداء اصطلاح، كما علمت من تسمية الممكن الخاص بما سمى به منقولا اسمه من الممكن العام، إذ كان لا وجود له إلا الوجود الذي هو به ممكن في المعنى العامي، من غير زيادة عليه.

فما كان من الأوضاع دعوى فقط، لا هو حق ولا مشهور، ولا يؤيد بالمشهور على سبيل قياس أو استقراء، ويكون قائله يقول بلسانه دون قلبه، فبالحرى أن يخص باسم الوضع، إذ هو دعوى فقط. فالوضع بهذا المعنى هو رأي مبتدع، وليس كل رأي مبتدع فإنما يبتدعه من لا نباهة له ولا بصيرة بشيء قوى لا يستحق أن يجعل له ذكر، ويجعل من المسائل والمطالب الجدلية؛ بل ما هو مبتدع ممن يذكر ويعد في أهل البصيرة والمعرفة. مثل قول من قال: إنه لا تناقض ولا خلاف البتة؛ وقول من قال: أن لا حركة وتغير البتة. وأما قول من قال: إن كل شيء واحد، وإنه ليس كل شيء إما مكونا وإما فاسدا، فإن الموسيقار إذا صار كاتبا فلي هو حادثا، لإذ قد كان موجودا قبل أن يكتب، فلو حدث لحدث كاتبا ليس له وجود ما قبله، ولا هو أزلي وإلا فقد كان دائما، فقد يكون شيء لا مكونا ولا فاسدا؛ فهو وضع سخيف.

والوضع قد يصير مطلبا بوجه من الوجوه إذا وقع فيه للأوائل خلاف، ونُصر بحجة فهذا وجه نستعمل عليه لفظة الوضع، ونعني بها المعنى الذي أشرنا إليه. ولكن ليس كل مطلوب وضعا بهذا المعنى؛ فإنه كثيرا ما يكون مطلب ليس فيه لأحد خلاف، فضلا عن أن يكون فيه للكل خلاف. وذلك لأن الوضع الصرف لا أقل من أن يكون فيه خلاف ما، ولو بين الحكماء وبين العامة أيضًا. وإذا كان فيه خلاف فهو دعوى؛ إذ ليس يقال للمقبول إنه دعوى. وإذ هو دعوى، وكل دعوى تسمى في هذا الموضع وضعا، فهو وضع؛ لكنه وضع صرف.

على أن مثل هذه الأوضاع ليست أوضاعا ومطالب جدلية على القصد الأول، بل على القصد الثاني، وعلى سبيل ما يلزم الجدلي مناقضة القائل به بحسب القائل لا بحسب القول نفسه؛ كما يلزم الفيلسوف الأول مناقضة من يرى أن بين طرفي النقيض واسطة، وذلك بحسب القائل، لا بحسب القول. وذلك لأن هذا ليس عليه قياس في نفس الأمر يصححه، إذ لا وسط في نفس الأمر أعرف منه؛ لكنه قج يكون عليه قياس بحسب المخاطب. فإنه إذا كان شيء، ذلك الشيء عنده أعرف منه عنده وهو يسلمه، وذلك الشيء ينتج نقيض وضعه، لزمه من ذلك أن يعترف به، إن كان القائل ممن يركن إلى الخطاب. وأما من لا يصغي إلى الخطاب وإلى النظر، فلا دواء له بالخطاب. وكذلك حال الوضع المذكور، فإنه بالحقيقة ليس مطلبا جدليا، ولا مما من حقه أن ينظر فيه بالنظر الجدلي الذي بالذات، فإنه إنما يجب أن يلتفت إلى وضع ما قد يتشكك فيه.

وأما ما من حقه أن يقابل قائله لا بالكلام بل بالعقوبة؛ كمن ينكر حسن عبادة الله وبر الوالدين؛ أو بالرحمة، كمن يقول: إن الصحة غير مؤثرة؛ أو بالسخرية، كمن يقول إن الشمس متبدلة كل يوم أو غير متحركة؛ أو بالتخسيس، أعني تكليف التخسيس، كمن يقول: إن الشمس غير منيرة، والنار غير محرقة؛ فغن مثل ذلك ليس مطلبا جدليا بالحقيقة، فلا مشهور أوضح منه يوضحه. وكذلك ما كان القياس الذي ينتجه قريبا منه مثل قولنا: الربع نصف النصف؛ وكذلك ما كان القياس عليه من الأوائل، وبعيدا جدا، وليس إليه قياس من المشهورات، فقد قيل في المطلب الجدلي، وقد قلنا قبله في المقدمة الجدلية، ونقول: ليس يجوز أن يسأل الجدلي عن المائية وعن اللمية، فإن هذا سؤال تعلم، بل له أن يسأل عن المائية بوجهين: إما مائية دلالة لفظ يستعمله المجيب في خلال ما يتكلم به، أو أن يقلب المائية إلى الهلية فيقول: هل تقول إن مائية كذا وكذا، حتى يناقضه ويقابله. فأما أن يبتدئ ويطلب مائية لشيء كالمكان أو الزمان أو غير ذلك، ليس على أن يقيس عليه قياسا يؤدي إلى إبطال ما يقوله، فهو تعلم. فغن أراد ذلك فطريقته أن يقول له: هل تقول إن مائية كذا كذا، حتى يخرجه إلى قول واحد فيقصده أو يقصد به.

وكذلك له أن يسأله عن اللمية من وجهين؛ أحدهما أن يقول له: لم قلت؟ من غير أن يؤاخذه بلمية الأمر في نفسه. والآخر أن يقول له مثلا: هل السبب في كون كذا كذا أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت