فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 781

فهذه هي المقدمة الجدلية المطلقة، ويشترك في استعمالها السائل والمجيب. فإن المجيب يستعمل المشهورات، ولا يلتفت - على ما علمت - إلى ما يسلمه أو لا يسلمه السائل. وأيضًا فغن السائل إذا استعمل المشهورات، لم يحتج إلى التسليم في أكثر الأمر. فإن حال المشهورات في الجدل حال الأوليات في البرهان؛ فكما أن الأوليات يستعملها المبرهن من غير حاجة إلى أن يطلب قياس على صدقها، كذلك المشهورات يستعملها الجدلي في الجدل من غير أن ينزل عن درجة الشهرة المطلقة والتسليم المطلق، إلى التسليم المحدود بالمسألة عنها ليتسلم، كأنها مشكوك فيها، وكأنها معرضة لأن يقع فيها شك. وربما ضر السائل ذلك، فإنه يحرك المجيب إلى أن يتنبه لأن لا يسلم المشهور الذي ينفع السائل، فإذا أخذه أخذ واقتضبه اقتضابا، وكأنه أمر بيّن، كان أقرب إلى التسليم، ويكون كأنه قد تسلمه بالقوة، وإن لم يكن تسلمه بالفعل. فما كان من ذلك مشهورا مطلقا، فحاول المجيب أن لا يسلم له، لم يلتفت إليه؛ بل ربما سخر بالمجيب، وربما أحل الرحمة، وربما نسب إلى استحقاق العقوبة، على ما سنمثل لك بين يديك عن قريب. وكذلك كل ما كان مشهورا عند قوم، فإن استعماله معهم على سبيل الاقتضاب أنفع من استعماله معهم على سبيل المسألة.

وما بعد هذا في التعليم الأول، فإنه يفهم على وجهين: أبعدهما كأنه يقول، وأما الذي هو الأولى بان يكون مسألة جدلية، أي أن تكون مقدمة تؤخذ على سبيل المسألة، فهو ما يكون طلب التسليم فيه لمعنى ينتفع به في إثبات مطلوب من باب ما يؤثر أو يجتنب، أو مطلوب اعتقادي من باب ما يرى حقا ويقصد فيه المعرفة، فيكون إما أن يبلغ بتسلمه نفس الغرض في ذلك، أو بأن يجعل مقدمة تعين في إنتاج ما يؤخذ مقدمة بذاته، أو يكون معينا على ذلك بان يكون قانونا منطقيا ينفع منفعة المنطق. ويكون إما عن المشهورات، لا المطلقة جدا فإن ذلك لا يسأل عنه، بل المشبهة والمقابلة؛ أو التي عند قوم ما؛ أو لا تكون من المشهورة بل مما ى اعتقاد مشهور للفلاسفة فيه فضلا عن الجمهور؛ أو ما يجري فيه بين الجمهور والفلاسفة اختلاف، كاختلاف الجمهور والفلاسفة، في حال اللذة، فإنهم يرون أن اللذة خير، والفلاسفة لا يرون ذلك؛ أو يكون فيه للفلاسفة فيما بينهم اختلاف؛ أو يكون فيه للجمهور فيما بينهم اختلاف؛ وبالجملة ما يكون لأحد الفريقين فيما بينهم فيه خلاف.

والوجه الثاني، وهو أظهرهما، فكأنه يقول: أختم القول في المقدمة الجدلية، وآخذها من حيث هي جدلية بذاتها لا بحسب سائل ومجيب بأعيانهما، ثم أتبعه بالمطلوب الجدلي. فكأنه قال: وأما المطلوب الجدلي فهو حكم عملي أو حكم اعتقادي، إما شيء إنما يقاس عليه لنفسه، أو يقاس عليه ليعين في معرفة شيء آخر، وهو لا محالة مما لا يكون بيّن الشهرة، بل يكون من حقه أن يتشكك فيه، لأنه لا رأى للجمهور فيه، مثل أن الأشكال القياسية ثلاثة، أو لا رأي للفلاسفة فيه، مثل هل الكواكب زوج أو فرد؛ فربما يقيس الجدلي على ضرب منها بالمشهورات أن الأولى بها أن تكون زوجا أو فردا، أو للفلاسفة رأي مخالف لما عليه العامة، أو فيه اختلاف بين فريقين من كل فرقة. وبالجملة ما يقع فيه شك وهو موضع شك، إما ليقاوم الحجج فيه ويكافيها، وإما لفقدان الحجج في الطرفين جميعا، أو بعدها عن الأمر المشهور مثل حال العالم أهو أزلي أو ليس.

والأحرى أن يكون ما تبعد حجته ليس بمطلب جدلي، وهو ما لا يكون عليه قياس من المشهورات، ويكون القياس عليه من الأوليات بعيدا؛ مثل أنه زاوية نصف الدائرة قائمة.

واعلم أن كثيرا من آراء الفلاسفة ليس للجمهور فيها رأي، ولا للمشهور إليها سبيل، لكن للبرهان إليها سبيل. وبإزاء ذلك كثير من الآراء لا سبيل للناس من الأوائل إليها، وقد يتكلف عليها قياس من المشهور؛ مثل أنه هل الكواكب زوج أو فرد، وهل زحل نحس أو سعد وكل رأي من ذلك فهو بالقياس إلى ناصره وضع، أي دعوى. وليس ما نسميه هاهنا أيضًا، وفي كتاب"البرهان"وضعا، أعني الدعوى الذي لا يكون مؤيدا بحجة تصحبه. وإنما سمى ذلك أيضًا وضعا لمناسبة ما بينه وبين الوضع المذكور هاهنا، فإن من الدعاوى ما هو فقط، ومن الأوضاع ما هو وضع فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت