فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 781

ومن الفصول المقسمة في ظاهر الأمر ما لا يقوِّم ، ولا يكون ذلك ألبتة إلا للفصول السلبية التى ليست بالحقيقة فصولا؛ فإنا إذا قلنا: إن الحيوان منه ناطق ومنه غير ناطق، لم نثبت غير الناطق نوعا محصلا بإزاء الناطق، اللهم إلا أن يتفق أن يكون ما ليس بناطق نوعا واحدا، كالذى ليس بمنقسم بمتساويين تحت العدد؛ فإنه صنف واحد وهو الفرد؛ أو يكون الإنسان لا يرى بأسا بأن يجعل الحيوان الغير الناطق جنسا للعجم، ونوعا من الحيوان. فإنْ فعل هذا فاعلٌ عَرَّفناه بأنَّ غير الناطق بالحقيقة ليس بفصل، بل هو أمر لازم، وكذلك جميع أمثال هذه السلوب؛ فإن َّ الاسلوب لوازمُ للأشياء بالقياس إلى اعتبار معان ليست لها؛ فإنَّ غير الناطق أمرٌ يعقل باعتبار الناطق، فيكون النوع معناه وفصله الذى له، أمرا في ذاته، ثم يلزمه أن يكون غير موصوف بشىء غيره؛ لكن ربما اضطر المضطر إلى استعمال لفظ السلب في المعنى الذى يكون للشىء في ذاته، إذا لم يكن له اسم محصل، وذلك لا يدل على أن السلب بالحقيقة اسمه، بل الاسم لازم له عُدل به عن وجهه إليه؛ فلو لم يكن من الحيوانات غير الإنسان شىء إلا الصاهل، وكان الصاهل في نفسه فصلا لذلك الغير، ثم لم يكن مسمى، فقيل غبر الناطق وعنى به الصاهل، لكان غير الناطق يدل دلالة الفصل؛ فأما وغير الناطق أمر أعم من فصل كل واحدٍ واحدٍ من انواع الحيوانات، وليس لها شئ واحد مشترك محصل إثباتى يمكن أن يجعل غير الناطق المشترك فيه دالا عليه إلا نفس معنى سلب الناطق. والسلوب لاتكون معانى مُقَوِّمة للأشياء من حيث هي سلوب، بل هي عوارض ولوازم إضافية بعد تقرر ذواتها، فلا يكون غير الناطق بالحقيقة فصلا تشترك فيه العجم مقوما لها. فإنْ أحب مُحِبُّ أن يجعل ذلك فصلا، ويثبت الحيوان الغير الناطق نوعا، ثم جنسا، ويجعل الحيوان قد انقسم قسمة معتدلة واحدة إلى نوع آخر، وإلى جنس معا، فليفعل؛ فيكون أيضا كل فصلٍ مقسِّم مقوِّما؛ وإِنْ آثر الوجه المحصل المحقق، لم تكن هذه فصولا؛ وكيف تكون فصولا وليست مقومات للأنواع، ولم تكن الفصول الحقيقية إلا مقومة عند ما تقسِّم ؟ والذي يظنه الظانون أَنَّ من الفصول المحصلة ما يقسم، ثم ينتظر فصلا آخر يرد حتى يقوما معا، مثل الناطق الذي ربما ظُنَّ أنه يقسم الحى، ثم يتوقف في تقويم النوع إلى أن ينضم إليه الميت، فهو ظن كذب: وذلك أنه ليس من شرط الفصل إذا قسم فأوجب تقويم النوع أن يكون مقوما للنوع الأخير لامحالة؛ فإنه فرق بين أن نقول يقوم نوعا، وبين أن نقول يُقَوِّم نوعا أخيرا. والناطق، وإن كان لايقوم الإنسان الذي هو النوع الأخير، فإنه يقوم الحى الناطق الذي هو نوعٌ للحى وجنسٌ للإنسان، أن كان ما يقولونه من كون الناطق أعم من الإنسان حقا، وكان الحى الناطق يقع على الإنسان وعلى المَلَك، لا باشتراك الاسم، بل وقوع اللفظ بمعنى واحد. ثم قولنا: الحى الناطق، قول لمجموعه معنى معقول، وهو أخص من الحى، وليس فصلا، بل الفصل جزء منه وهو الناطق، ولا خاصة، فهو لامحالة نوع له. وكذلك يتبين أنه جنس الإنسان، وقد يصرح بمثل هذا صاحب إيسا غوجى نفسه في موضع؛ فالناطق إذن قد قَوَّم نوعا هو الجنسٌ، فحين قَسَّم قَوَّم لامحالة. ونعلم من هذا أن الفصل إنما هو مقول قولا أوليا على نوع واحد دائما، وإنما يقال على انواع كثيرة في جواب أى شئ هو قولا ثانيا بتوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت