فلنرجع الآن إلى غرضنا فنقول: إن أول ما يجب أن يعرف من حال الإيجاب والسلب حال التناقض الذى يوجب لصورته أن تكون إحدى القضيتين صادقة والأخرى كاذبة بعينها أو بغير عينها لا لأجل مادة دون مادة. وهذا لايكون بين المتفقين في الكم، فقد تكذب الكليتان منهما وتصدق الجزئيتان فلا تتناقضان، إذ التناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب اختلافا يلزم عنه لذاته أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا بعينه أو بغير عينه، فيجب إذن أن يكون المختلفان بالإيجاب والسلب اختلافا تامًا محصلا يختلفان أيضًا في الكمية إن كان موضوعهما كليا. وأما ذات الموضوع الشخصي فيكفى فيها الاختلاف التام بالإيجاب والسلب لتعين الموضوع. وأما المهمل فهو في حكم الجزئيتين الداخلتين تحت التضاد كما قد علمت فإذن المهمل لا تناقض فيه. وكيف والإهمال إما أن يقتضي الكلية فتكون القضيتان كلتاهما كليتين، أو لا يقتضى إلا الجزئية كما علمت فتكونان جزئيتين. وقد علم الحال في جميع ذلك، فإذن لا تناقض بين المهملتين. فيبقى أن يكون التناقض بين المخصوصات والمحصورات، وأن يكون المحصور المخالف بالكم والكيف هو المناقض فقولنا: كل كذا، يناقضه لا كل أو لا بعض، إذ هما واحد في القوة، وقولنا: لا شئ، يناقضه بعض. فإن كانت الكلية موجبة صدقت في الواجب وكذبت في الممكن والممتنع، ومقابلها يكذب في الواجب ويصدق فيهما. وإن كانت الكلية سالبة صدقت في الممتنع وكذبت في الممكن والواجب، ومقابلهما يكذب في الممتنع ويصدق فيهما. وعليك أن تجرب. فلا بد في كل مناقضة من أن يكون في أحد طرفيها سور كلى، فكل مقابلة محصورة كلية الموضوع وأحد طرفيها وحده مسور بسور كلى، فإنها تقتسم الصدق والكذب في كل موضع. وكذلك الشخصيات وما عداها فلا تناقض فيها، فيحق أن نقول: إن الإنسان لفى خسر وإن الإنسان ليس في خسر، وإن الإنسان جميل وإن الإنسان ليس بجميل، وذلك لأنه قد يصير الجميل قبيحًا فلا يكون جميلا، وكذلك عندما هو في التكون جميل فليس بجميل؛ والإنسان يكون جميلا ثم يكون لا جميلا عندما هو قبيح وعندما هو في التكون قبيحا. أو قيل إن كان جميلا فالموضوع الواحد بعينه يشير إلى صدق القولين: إن الإنسان جميل وإِنه ليس بجميل، فكيف موضوعان مختلفان. وليس كون ذلك في شيئين أو وقتين مما يزيل حقيقة ما يقوله، فإن كل واحد منهما إذا صدق في وقت، صدق من غير اعتبار وقت ولا وقت. فما لم يحصل للإنسان صفة أنه جميل لم يكن جميلا في وقت من الأوقات فصدق أنه جميل في وقت كذا يتقدمه، صدق أَنه جميل أى مطلقا. لست أعنى بالمطلق الدائم، فإِن ذلك بالحقيقة ليس بمطلق بهذا المعنى بل هو مقرون بشرط الدوام، إنما المطلق ما لا شرط فيه بوجه؛ وكذلك الحال في السلب؛ وهذا أَمر سيأتيك بيانه بوجه آخر من بعد.