لكن لقائل أن يقول: إن القولين كليهما كاذبان، فإن قولنا: الإنسان جميل، معناه كل إِنسان جميل، وقولنا: الإنسان ليس بجميل، معناه كل إنسان. ونحن قد أتينا بالجواب عن هذا فيما سلف ذكره. فإن قولنا: الإنسان، يقتضى معنى الإنسان بلا شرط، فيصلح أن يتناول كل ما هو إنسان، وإن كان واحدًا بعينه. وليس بنا حاجة إِلى تطويل الكلام بذكر ما أورده مخالفوا الحق من الاستدلالات بأقوال الشعراء، استعملوا فيها مهملات على أنها محصورات، فأجاب المتكلفون للجواب عن ذلك بأن ذلك في مادة ضرورية، ولو قالوا: إنا لا نمنع أن نستعمل المهملات منويا بها الحصر. لكن ذلك شئ يعرف لا من نفس القضية، بل من عادة جرت واختصار اعتيد لكان ذلك كافيًا، فإنا في اكثر الأمور نتجوز فنحذف الأسوار ونستعمل المهملات واثقين بأن المخاطبين يقفون على الغرض، والشاعر أيضًا لم يكن يلتفت إلا إِلى العادة وما كان يشعر من أمر المادة المذكورة وضرورتها شيئًا، ولو كانت المادة تجعل ما بالقوة بالفعل لكان يجب أن نقول أن المهملتين في الواجب والممتنع متضادتان. وليس كذلك، بل يجب أن نعتب حال المهمل من حيث هو قضية وأمر أعم من ذوات المواد الثلاثة لا من حيث في مادة مادة. فإن المهملة في مادة الواجب من حيث هى مهملة جزئية الحكم، وإِن كانت المادة يصدق فيها الكلى. وفرق بين حكم يصدق لو حكم به، وبين حكم قد حكم به بالفعل، وبين حكم توجبه صورة القضية وبين حكم تريده مادة القضية على موجب صورته. والذى ذكر بعضهم أنكم كيف تجعلون المهملتين صادقتين والموضوع فيهما شئ واحد، وذلك قول خطأ، وذلك لأنه إن عنى شيئًا واحدًا بالعدد وفى زمان واحد فقد كذب، فإن القائلين إن الإنسان لفى خسر، ليس الإنسان لفى خسر، لا يشيرون في ذلك إلى إنسان واحد معين بعينه، بل إما أن لا يعينوا أو يعينوا مختلفين تعيينًا كأنه خارج عن مفهوم القضية، بل مقرون في الذهن إِلى مفهومها. وإن عنى شيئًا واحدًا بالحد فليس هذا أول ما يعلمه في الواحد بالحد، بل لا يبالى بأن يحمل الأضداد على شئ واحد بالحد، وتوحدها فيه كالفردية والزوجية معا في العدد الذى هو واحد في الحد. والاشتغال لتطويل القول في هذه الأشياء مما لا يجدى، لكن يجب أن يتحقق أن غرضنا المقدم ها هنا هو في تحقيق التناقض، وأن حال التناقض هو على ما وصفناه.