لكن للمتشكك أن يتشكك فيقول: ما يمنع أن يكون للإيجاب الواحد مقابلان اثنان حتى يكون كلاهما له في حكم المناقضة ؟ فنقول إن هذا أمر ممتنع، فإن المحمول الواحد من جهة واحدة من موضوع واحد من سور واحد لا يمكن أن يسلب مرتين إلا أن يكون إما المسلوب مختلفًا أو المسلوب عنه مختلفا.فللإيجاب الواحد سلب واحد، فيكون إذن للإيجاب الذى هو أن كل إنسان حيوان سلب واحد. فإن دل بالموضوع أو المحمول على معنيين لم يكن الإيجاب واحدًا فلم يكن سلبه واحدًا. فإنا إذا سمينا الفرس ثوبًا وسمينا به الإنسان أيضًا، فقلنا: إن الثوب أبيض كان معناه أن الفرس أبيض والإنسان أبيض، إلا أن يكون الثوب دالا على معنى واحد جامع للإنسان والفرس والثوب، فحيئذ لا يكون اسمًا للإنسان ولا للفرس بل يكون اسمًا لمعنى يحمل عليهما. لكنه قد يجب علينا أن نتحقق أصلا لا نسع إغفاله، وهو أنه ليس يجب أن تكون أحوال المتناقضات في اقتسامها الصدق والكذب حالا واحدا فإن المحصورت يتعين فيها الصدق والكذب لذات القضية ولطبيعة الأمر. وكذلك القضايا الشخصية الزمانية التى أزمنتها ماضية أو حاضرة، فإِ ن الزمان الذى حصل جعل أحد الأمرين لاحقًا لطبع الآخر بالضرورة. وأما القضايا المتناقضة الشخصية في الأمور المستقبلة. فإنها ليس يجب فيها من جهة طبائع الأمور أن يتعين فيها صدق ولا كذب، ولا أيضًا يكون قد تعين أحدهما فيه بحصول السبب المعين. فإِن التعيين إما بموجب الأمر في نفسه، وإما لوجود السبب المعين لما ليس يجب بذاته أن يتعين. فإن كل شئ واجب، فإما أن يجب لذاته أو يجب بحصول السبب الذى يوجبه، ولو كان في القضايا التى نحن في ذكرها تعيين لصدق أو كذب حتى كان كل إيجاب أو سلب، إما صادقًا بعينه وإما كاذبًا لكان كل أمر في المستقبل إما أن يوجد لا محالة وإما أن لا يوجد. فإنه إذا قال قائل: إن كذا يوجد، وكان يتعين فيه الصدق أو الكذب، وقال الآخر: إنه لا يوجد ويتعين أنه صادق أو كاذب، وليكن الأول صادقًا متعين الصدق حتى لا يمكن أن لا يوجد الأمر أو ليكن الآخر صادقًا متعين الصدق، فحينئذ لا يمكن أن يوجد الأمر إذ كان لا يمكن أن يوجد الشىءُ مع صدق القول بأنه لا يوجد. وبالعكس فإِن القول إن كان صدقًا فالأمر موجود، وإِن كان الأمر موجودًا فالقول صدق. فإنه إن كان الشىء في نفسه يكون إما أبيض بعينه أو غير أبيض بعينه فالقول يصدق فيه إما أنه أبيض بعينه وإما أنه غير أبيض، حتى يكون الوجود واللاوجود مع الصدق والكذب. وحتى إن كان القول في ذلك صادقًا فالأمر يكون لا محالة، وإن كان كاذبًا فالأمر لا يكون ألبتة، فيلزم تاليًا بما قدمناه من المقدمات الشرطية أن لا يكون كل شىء من الأشياء واجبًا أن يكون أو واجبًا أن لا يكون، وأن لا يكون شىء مم يكون بالاتفاق، بل تكون الأشياء كلها بالضرورة. وهذا سنشير قريبًا إلى إِحالته، أَعنى التالى من قولنا: إنه إن كان كل إيجاب أو سلب يجب أن يصدق بعينه أو يكذب بعينه فليس شىء من الأشياء يكون على سبيل الاتفاق جائزًا فيه الكون واللاكون، بل الأمور كلها ضرورية. والذى أوجب هذا التلو هو أن كان القول قبل كونها يتعين فيه صدق أو كذب، فيكون بياض زيد الذى وجد الآن، لقد كان قبل الآن واجبًا ضرورة أن يوجد في الآن إذ عسى كان بعض الناس قال إنه يوجد، ولم يكن كذب بل صدق فكان كون هذا المصدق به ضروريًا، وكذلك فيما يستقبل أيضًا مما يقال فيه الآن أنه يوجد، ويصدق القول الآن صدقًا متعينًا، وليس الأمر إنما يصير موجودًا بأنه قد صدق به، بل إنما يكون القول صدقًا لأن الأمر في نفسه كذلك. فإذن هذه الضرورة تكون في نفس الأمر وإن لم يُقل شىء.