فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 781

فقد بان من هذا أن الصدق والكذب إذا تعين واحد منهما عرض هذا الذى سنشير إلى أنه محال، وإن لم يتعين فلذلك وجوه ثلاثة: أحدهما أنهما يشتركان في الصدق، والثانى أنهما يشتركان في الكذب، والثالث أنهما ليس أحدهما الآن واجبًا أن يكون صادقًا أو كاذبًا، بل كل واحد منهما يمكن ذلك فيه وإن كان لا يمكن أن يكون ذلك في غيرهما، وأنه يفوتهما معًا فيخرج عنهما الصدق أو الكذب 0 لكن الوجه الأول محال، فإنه إن كانا حقين وكل واحد منهما يقابل الآخر ويناقضه صار كل واحد منهما أيضا كاذبًا فكانا حقين وكاذبين معًا، وهذا محال؛ وكيف يكونان حقين والحق هو ما يطابق الوجود فسيكون الأمران جميعًا موجودين معًا، فيكون زيد يبيض ولا يبيض، بل يسود معًا في زمان واحد 0 وكذلك القسم الثاني وهو أنهما جميعًا يكذبان فإنه يلزم أن يصدقا جميعًا أيضًا وأن يوجد الأمر ولا يوجد معًا ومع ذلك فيكون المحال الأول ثابتًا، فإِنه يكون الأمران معًا ضرورين، ولا يكون في العالم شىء هو من قبيل ما يكون اتفاقًا لا بالضرورة فيكون المحال الذى هرب منه قديمًا ثابتًا الآن أيضا، فإِذن إثبات الصدق موجودًا في أحدهما بعينه يوجب أن لا يكون اتفاق وإِثبات الصدق والكذب مشتركا فيهما يوجب هذه المحالات وأن لايكون شىء يحدث بالاتفاق لكن ذاك الذي لزم أولا وهذا الذي لزم الآن محال 0 أما استحالة الذي لزم الآن فظاهرة، وأما استحالة الذي لزم أولا فلأنا نعلم أن ها هنا أمورًا تحدث بالاتفاق وأمورًا تحدث وكونها ولا كونها بالسواء، ولولا ذلك لما كان بنا حاجة أن نروى أو نفكر أَو نستعد معتقدين أنا إن فعلنا ما يجب كان أمرًا لا يكون إن قصرنا، ولو كان الأمر الذى نروى فيه ونستعد له مما يكون بالضرورة أو لا يكون بالضرورة، كأن قائلا قال فيه أمرًا فصدق أَو كذب فيعين حكمه لقوله ما كان لاستعدادنا ورويتنا فائدة بوجه من الوجوه، لكن عقولنا تشهد بفائدة الاستعداد فلا نشك فيها، فإذن ما يرفعها ويبطلها محال. فإذ كان بعض الأمور بالصفة المذكورة وكان الاستعداد والأهمية بغير حاله لم يكن ضروريًا بنفسه ولا يتعين فإذن هذا التعين عن الصدق والكذب محال، وليس هذا في الأمور التى تكون بالاختيار فقط، بل الأمور التى في الطبع أَيضًا كالخشب فإنه يمكن في طباعه أن يبقى إلى أن يبلى ويمكن أن تصادمه نار فيحترق ولا يجب له من حيث هو خشب أحد الأمرين. فهكذا يجب أَن يفهم ما قيل في التعليم الأول ولا يلتفت إِلى التكلف الذى يتكلفه بعض المفسرين حتى يظن أَن هذا الكلام المورد في التعليم الأول إنما يراد به إثبات الضرورة ونفى الإمكان ثم يُرجع عنه إلى إثبات الإمكان ونفى الضرورة على سبيل المراوضات فإنه إذا تأمل النسق الذى عبرنا عنه ونسق التعليم الأول علم أن هذا هو أولى به فإن قيل في تفاسيرهم تكلف مع أنه محال، فإِن النظر في طبيعة الضرورى والممكن وإثبات الإمكان ليس مما يفى به المنطقى من حيث هو منطقى، بل ذلك لصناعة أَخرى. إنما غرض المنطقى أَن يعلم حال الصدق والكذب، وأَنه كيف يتعين وكيف لا يتعين وأن التعين في بعض الأمور يوجب محالا معاندا لما كان ظاهرًا مشهورًا. فبين أن من الأمور ما ليس ضروريًا في الوجود واللاوجود فإنه من المشهور الظاهر أن كثيرًا من الأشياء ليس وجوده بضرورى، لست أعنى ما دام موجودًا وبشرط أنه موجود، فإِنه بهذا الشرط وسائر الشرائط الأخرى التى تشبهه مما ستعلمه في مواضع أخر من الشرائط التى تطرأ على الممكن فتغير حاله إلى الضرورة فيكون الشىء بها ضروريا، بل إنما ليس وجوده ضروريًا من حيث النظر إِلى ماهيته بلا زيادة فإنه لا سواء إِثبات الشرط وحذفه فليس سواء أن تقول زيد ماش بالضرورة؛ وقولك زيد ماش بالضرورة، مادام ماشيًا، وكذلك تقول: زيد الماشى يمكن أن لا يكون ماشيًا إذا أَخذناه مطلقًا ولم نعن وقت مشيه ولا نقول: زيد الماشى يمكن أَن لا يكون ماشيًا ما دام ماشيًا، وكذلك إِذا نظرت الى الاحتراق والخشبة وجدت الاحتراق لا ضرورة في وجوده لها فإن اشتراط حال ما هو محترق أَو حال مماسة نار قاهرة إِياه في مدة تفعل في مثلها صار واجبًا، وكذلك الحال في الأقوال فإن بعضها صادق بعينه وبعضها كاذب بعينه وبعضها جائز فيه أن يصدق وأَن يكذب وأَما الآن فليس يفيد صدقًا ولا كذبًا إِلا أَن يلحق به شرط ولكن لا يكون الصادق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت