ومنها أن يكون إنتاجه للصدق إنما هو عن الكذب، لا على سبيل قياس الخلف، و لأن الكذب مشهور؛ فيكون بالحرى أن يلام مستعمله لأمر هو مستحقه لا لأجل الكذب، فإن للكذب مدخلا في استعمال الجدل، فإن القياس الكذب قد يستعمل إذ كان مشهورا. ومن استعمل لا على هذه الجهة، فقد رام المغالطة قصدا، أو غلط سهوا. وقد يستعمل الكاذب في موضع آخر استعملا موافقا، وهو أن يكون المجيب يحفظ صادقا، فيلزم السائل أن ينتج كاذبا، ويلزم أن ينتجه عن كواذب محمودة يتسلمها، فلا يكون هو معذولا في تسلمه الكاذب للكاذب.
ومنها أن يكون مصادرا على المطلوب بالحقيقة في المستقيم، أو على المقابل بالخلف، أو يكون كذلك بحسب الظن. وقد علمت ما هو بالحقيقة مصادرة على المطلوب الأول، وأنه هو الذي يكون حداه بعينه المطلوب. وأما الذي بالظن، فهو الذي يخالف حداه في الحقيقة حدي المطلوب، لكنه يؤخذ في الظن مكانه، ويقال لمستعمله إنك سواء أخذت ذاك أو أخذت هذا بدله.
والمصادرة التي بحسب الظن هي على وجوه: منها أن يأخذ الأعم مكان الأخص ليقيس، فيقول له المجيب: إنك قد أخذت الأمر نفسه في حجته، إذ سواء استعملت الأخص أو الأعم. كمن يستعمل في إثبات أن علم المتضادات واحد، أن علم المتقابلات واحد، فيقول له المجيب إن هذا بعينه هو المطلوب. أو يقول له: لو سلمت هذا لسلمت ذاك.
والثاني أن يأخذ الأخص مكان الأعم ليستقرى، كما يوجبه عك المثال المورد.
والثالث أن تكون الدعوى جملة، فيأخذ السائل بالقياس في المصادرة على جزء جزء منها. كمن يريد أن يبين أن الطب معرفة بحال الصحة وحال المرض، فيقول: لأن الطب معرفة بحال الصحة، والطب معرفة بحال المرض.
والرابع أن يأخذ اللازم بدل الشيء؛ كمن يقول: إن الضلع مباين لأنه غير مشارك؛ أو الإنسان محبوب لأن الضاحك محبوب.
والمصادرات على المتقابلات على خمسة وجوه أيضًا: إما الحقيقي المذكور. وإما أن يأخذ بدل النقيض محمولا مضادا، كقولنا: رزل، لقولنا: فاضل، بدل قولنا: ليس بفاضل. وإما أن يوجب في الجزئي مقابل ما أوجب في الكلي المدعى. وإما أن يصادر على ضد لازم ما وضع في المقدمات، أو لازم ضده؛ أو على ما يلزمه ضد لازم الموضوع.
والخطأ في المصادرة على المطلوب الأول هو باعتبار النتيجة ومراعاتها إذا ارتقينا إليها فوجدناها مأخوذة في بيان نفسها. وأما الخطأ في القياس على مقابل المطلوب، فهو اعتبار مناسبة المقدمات بعضها إلى بعض. فالأول يلتفت فيه إلى النتيجة، والثاني يعتبر حاله من نفس القياس.
وينبغي لمن أراد أن تحصل له ملكة الجدل أن يتعود عكس القياس بالنقيض والضد، فيتوسع في إناء القياسات. وربما اقتدر على أن يتلطف متى شاء في ذلك، فينقض القياس من نفسه، إذا أمكن أن يخفى صورة العكس، ووجد الشهرة تعينه.
ويجب على الجدلي أن لا يزال يطلب الدربة بالاحتجاج للشيء الواحد من المواضع المذكورة بحجج كثيرة، ثم يعود ويحتج لمقابله من مواضع أخرى فتارة يعاند مقدمات تلك الحجج، وتارة مقدمات هذه الحجج التي تقابلها؛ فإن ذلك يخرجه؛ وخصوصا إذا كان جيد الطبع، حسن الاختيار للأفضل والاجتناب للأخس. وأن يتحفظ المسائل الخلافية المشهورة، ويحفظ حجج الإثبات والإبطال فيها من المواضع التي ذكرناها. وأن تكون حدود الأصول والمبادئ مشهورة عنده، وتكون كلها على طرف لسانه. وأن يتدرب في تصيير القول الواحد أقاويل كثيرة بالقسمة، والأمثال، وتحليل الحدود والقياسات إلى المبادئ والأصول بممارسة كتاب"انولوطيقا". وأن يجتهد على رد الجزئيات إلى أحكام عامية تكون أنفع له من حيث الحفظ، وإن كان أخذ العامي صعبا في كل شيء.
وأما في الاستعمال فينبغي للمجيب أن لا يسلم الكلى ما قدر؛ فالقياس ينبعث من الكلى، ما أن الاستقراء ينبعث من الجزئي. وقد علمت أوفق موضع استعمال كل واحد منهما، إذ علمت أن القياس ينبغي أن يستعمل مع الأقوياء، والاستقراء مع العامة.
واعلم أن صناعة الجدل تفيدنا القوة على اكتساب القياس، وعلى المناقضة، وعلى المعارضة بالاحتجاج، والتوصل إلى المقاومات، والشعور بصحة السؤال أو سقمه.