لكن هاهنا قياسات أخرى نافعة في الأمور الشركية، وقياسات أخرى مغلطة. والنافعة في الأمور الشركية منها ما يتعلق - أول تعلقها أو أنفع تعلقها - بالأمور الكلية؛ ومنها ما يتعلق - أول تعلقها أو أنفع تعلقها - بالأمور الجزئية. فيجب أن نتعلم هذه الأصناف أيضًا، لما لا تخلو عنه من منفعة، بل لما تدعو إلى استعمالها في الأمور المدنية من الضرورة. وأن نتعلم المغالطات لتكون لنا قدرة على التحرز عنها مستفادة عن الوقوف على أسبابها وعللها. وقد علمت أن النوافع الشركية من حقها أن تؤخر عن النوافع الشخصية، إذا لم تكن ضرورية في المنافع الشخصية. ولا يخفى عليك أن النافع، أو الضروري، إنما نتعرفه بالذات لنطلبه؛ والضار إنما بالعرض لنتحرز عنه. فيجب أن يكون تعرفنا لحال القياسات المغلطة بعد تعرفنا حال القياسات النافعة في الأمور النظرية، أعني الفكرية. ولأن المقاييس على الأمور الكلية أقرب إلى الدرجة العقلية من القياسات النافعة في الأمور الجزئية، فيجب أن يكون ما ينفع في الكليات - على أي وجه كان - مقدما. فيجب أن يكون أول نظرنا إنما هو في الصنف من القياسات التي تتناول أمورا كلية.
فلننظر أي القياسات هذه القياسات. وإذا قلنا:"قياس"في أمثال هذه المواضع، فخذه قياسا، وما يشبه القياس؛ فنقول: إن القياسات لا تتخالف في صورها، بل كان ما إذا وضع فيه أقاويل لم يلزمه قول آخر، أو لم يظن لازما، فليس بقياس؛ وعلى ما سبق منا تلخيص أمره. وكل ما كان كذلك فهو قياس.
لكن الموضوعات تختلف: فمن الموضوعات ما وضعه في الطبيعة، كأن الطبيعة والحق قد وضعاه وسلماه؛ ومنها ما وضعه بحسب واضع أو واضعين. والذي وضع ما فيه إنما هو بحسب الطبيعة، ونفس الحق، فهو القياس البرهاني؛ وقد فرغنا عنه. وجميع الذي يتلوه يجب أن يخالفه بأنه ليس يجب أن يكون الموضوع فيه هو الموضوع في الطبيعة؛ فبهذا يخالف البرهاني غيره. وإما بأنه يكون موضوعا فيه ما لا يجب في الطبيعة، فيضاده. والجدلي أيضًا في جملة ما بعده، فيجب أن يدخل في هذا الخلاف. لكن قولنا:"ليس يجب أن يكون الموضوع فيه موضوعا في الطبيعة"يشتمل على انه سيجوز فيه ذلك، وما ليس ذلك، فيكون إنما تتميز هذه القياسات عن البرهاني بأن حكم مقدماتها الأول أعم من حكم المقدمات الأول البرهانية؛ مثل المقدمات المشهورة المستعملة في الجدل. وإذا كان خلاف الجدلي البرهاني لا يتجاوز المقدار المذكور من الخلاف إلى وجوب أن يكون مضادا في مقدماته للبرهاني، وإن جاز أن يكون في بعضها كذلك، كان تميز القياس الجدلي وما يجري مجراه مما ليس شرطه مضادة القياس البرهاني؛ فقد كان سلف منا القول أن جميع المقدمات الأول البرهانية التي لا وسط لها مشهورة، ولا ينعكس. وكل مشهور مري معتقد، ولا ينعكس.
فلنطلب الآن مقدمات أقرب القياسات من البرهان، ولننظر أنأخذها لأنها مظنونات مرئية فقط، وليس لها زيادة عليه، أو مشهورات؛ فنجد أن الظنون الصرفة إنما تفيد القياسات المعمول منها في الأمور الجزئية. وأما الأحكام على الأمور الكلية فلا ينتفع فيها بالمظنونات التي تكون مظنونات ساذجة، عند إنسان واحد أو إنسانين؛ بل الأولى أن تكون أحكامنا على الأمور الكلية إذا فاتنا البرهان، أو تعذر مخاطبتنا به من نخاطبه، بما هو أقرب إلى طبيعة البرهان على ما هو آكد من المظنونة.
فيجب أن نجعل العمدة في القياس الذي نحن في تعريفه الأمور المشهورة، ثم إن سلم مظنون ليس بمشهور، استعملناه في القياس على المخاطب. لكنا إذا جعلنا العمدة هي المتسلمات، واقتصرنا عليها، فإنا حينئذ لا نكون صناعا ونقادا في أعمالنا، إذ تكون القياسات منا متوقفة على أن يسلم لنا مسلم شيئا، ولا تكون عندنا مقدمات يجب أن تؤخذ مسلمة، فيكون لنا من قبلها قياسات، ولنا قدرة على التصرف. فيجب أن يكون النوع من القياس الذي يلي البرهان قياسا مؤلفا من مقدمات مشهورة، أو متسلمة؛ وبالجملة من مقدمات مشهورة أو مسلمة، إما متسلمة من المخاطب وحده، أو متسلمة من جمهور أهل الصناعة، أو متسلمة من جمهور الناس. وهذان القسمان الآخران - كما علمت - يسميان مشهورين، أحدهما مفيد والآخر مطلق. ونحن قد أومأنا إلى منفعة هذا القياس إيماء، ولم نفسره؛ فنقول: