فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 781

وأما المناظرة فهي مشتقة من النظر والاعتبار، فالغرض فيها المباحثة عن الرأيين المتقابلين المتكفلين؛ أعني يتكفل كل واحد منهما واحد من المتخاطبين ليبين لكليهما المحق منهما، فيساعده الثاني عليه. فهذان أيضًا غرضهما ليس إلا حصول العلم، فلا ينتفعان بالذات إلا بما يوقع العلم ويفيده.

وأما المعاندة فهي مخاطبة المخاطب بها إظهار نقص من يدعي الكمال، على أي وجه كان، وأن يعجزه بقياسات من مقدمات حقة أو باطلة؛ فيكون الغرض فيها من المخاطب إظهار عجز لا إعطاء فائدة يعتقدها المخاطب؛ فإنه ليس إذا عجز عن أمر فقد ظهر فيه الحق؛ ويكون الغرض فيها من المخاطب أن يظهر قوته من حيث يظهر نقض ذلك؛ فتظهر فضيلته ونقيصة ذلك. فإن كان المعاند ليس يعاند ناقضا، بل يقصد التمويه والتلبيس نفسه، لأنه تمويه وتلبيس ولو على غير ناقض، لا ليعرفه النقض، بل ليخيل إليه أن ما يقوله حق، فليس خطابه الخطاب المخصوص باسم العناد، بل هو إما سوفسطائي إن تشبه بالفيلسوف، وإما مشاغبي إن تشبه بالجدلي. بل إنما يكون المعاند معاندا إذا كان ظاهر قصده تعجيز الآخر المخاطب. وربما قرن بذلك الاعتراف بأن ما يقيسه غير حق، لكن المخاطب قاصر عن الوقوف على مواضع الحيلة في كلامه. فلفظ المعاند، بحسب تعارف القوم، ليس أن يجعل اسما لهذه المخاطبة، ولا بحسب اللغة أيضًا؛ فإن العناد موضوع للدلالة على الخروج عن الحق، والعدول عن الواجب، بفضل القوة.

وأما الامتحان والاختبار فليس الغرض فيه إقناع في رأي البتة، بل تعرف لمبلغ المخاطب في القوة على استبانة القياسات. فكأن القياس المعاند والقياس الممتحن، والقياس المغالط، واحد في الموضوع؛ لكنه إذا استعمل على أنه يراد به إثبات الحق، أو الإقناع بالعدل، سمى سوفسطائيا، أو مماريا مشاغبا. وإذا استعمل والغرض فيه تعجيز الخصم المعتقد عجزه، عند القياس المجهول عجزه عند الخصم أو عند آخرين، كان قياس عناد. وإذا استعمل والغرض فيه استكشاف حال المخاطب أمره من غير أن يراد تضليله، أو يراد إظهار المخبور أو المعتقد من عجزه، كان قياس امتحان. والألفاظ أيضًا بحسب اللغة مطابقة لهذه الأرض، فإنه ليس يحسن أن يسمى من يخاطب ليفيد عقدا نافعا مغالطا، ولا معاندا، ولا مختبرا ممتحنا.

وأما الإنشاد، فهو بعيد أن يكون الغرض فيه إيقاع اعتقاد وتصديق البتة.

وأما الخطابة، فإن الخطيب، هو المقتدر على إقناع الناس في الأمور الجزئية - ولا يقال لمن يحسن الإقناع في الهندسة والطب خطيبا - فلم يبق لنا اسم أولى بهذا من اسم الجدل، حتى تكون الصناعة المعدة لإلزام الخصوم بطريق مقبول محمود بين الجمهور في أي رأي كان جدلا. فإنه وإن كان ليس إلزام كل رأي نافعا في كل وقت، فإن الصناعة الاختبارية لا تكون صناعة بأن تكون ملكة على طرف واحد فقط؛ فغن هذا غير ممكن. بل إذا صار الطبيب مقتدرا على التصرف في أحوال الأبدان حتى يفيدها صحة، فإنه تتبعه أو تلزمه أو تتقدمه ضرورة أن يكون مقتدرا على التصرف المطلق في أحوالها بما هو تصرف مطلق، فكان مقتدرا أيضًا على أن يفيد المرض؛ لأنه ليس الاقتدار إنما يكون على الصحة من حيث هي صحة، بل من حيث هي حالة يمكن إحداثها، أو حفظها على البدن.

فكذلك المقنع على النافع يلزمه أن يصير مقنعا مطلقا، فيكون مقتدرا على الإقناع، من حيث هو إقناع، فلذلك يقتدر على غير النافع؛ فيعرض من هذا الجدلي مقتدرا على الإلزام المطلق، لكنه يكون جدليا على المجرى الطبيعي، إذا كان استعماله ذلك في المنافع، كالطبيب: فإنه إنما يكون طبيبا على المجرى الطبيعي إذا كان استعماله ما يستعمله في النافع؛ فإن حرف ذلك فقد أساء.

على انه ربما كان النافع في وقت إلزام أحد طرفي النقيض، وفي آخر مقابله؛ وذلك مع إنسان وإنسان. وأيضًا ربما يقع أحد طرفي النقيض لذاته، ويقع الطرف الآخر بالعرض في إثبات نافع آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت