والمحمود: إما بحسب إنسان إنسان، أو عدة بأعيانهم. وهذا القسم من المحمود، مع أنه غير مضبوط، لكونه غير محدود، فهو أيضًا غير مضبوط، لكونه مختلفا غير ثابت. فإن كل واحد يرى ما يهوى. وتختلف الآراء بحسب الأهواء. ومثل هذه المحمودات، وإن صلحت لأن تستعمل في كثير من القياسات من الخطابيات، فإنها لا تصلح لأن تجعل عمدة في الصناعة. فإنها لا تتناهى أحوالها.
وإما محمود بحسب الجمهور، أو طوائف منهم ليس من حيث لهم عدد حاضر. فإن الخطابة تشارك الجدل في استعمالها. فإن الخطابة قد تستعمل المحمودات التي ليست بحسب هوى واحد، بل بحسب هوى الجمهور. لكن الجدل يحتاج إلى المحمودات احتياجا على شرط المنطق، إلى أن يكون المؤلف منها قياسا بشرائطه. وشرائطه أن تكون المقدمات حقيقية الحمل، وتكون مع ذلك صحيحة التأليف، وعلى نظم قياس، إما بالفعل وإما بالقوة. وإذا كان قد وقع فيها إضمار، وكان على سبيل إيجاز، لو صرح به لم يتغير حكمه. وليس كذلك حكم الخطابة. فإن الخطابة يكفي فيها أن تكون المقدمات فيه محمودة في الظاهر، بأن يكون الناس يرونها من طريق ما بالعرض هذا سبيله؛ وكذلك الذي هو كالجزئي له وهو الغلط من طريق اللازم؛ وأيضًا الغلط من طريق الإطلاق والتقييد غلط في الأجزاء؛ وكذلك الغلط في المصادرة على المطلوب غلط في أجزاء القياس من طريق المعنى، إذ لا تكون ثلاثة بل اثنان فقط.
ولا تظن أن هذه القوانين إنما تتم لك إذا علمت كل موجود، ونظرت في كل خطأ وصواب، فإن ذلك لا يتناهى، بل إنما تتم لك إذا علمت الأصول والقوانين التي تنتزع من أمورها وتكون سائرها على قياسها. وأنت تعلم أن الجزئيات من التبكيتات البرهانية والجدلية غير متناهية؛ بعد أنها أولى أن تكون محصورة، لأنها حقيقية أو شبيهة قريبة من الحقيقة، فكيف الكاذبة التي لا تنحصر تحت حد؟ فكيف الكاذبة الغير المناسبة؟ فمعرفة أسباب التبكيت المغالطي المطلق هو إلى صناعة المنطق.
وأما الجزئيات من التبكيتات المغالطية في صناعة صناعة فحلها إلى صاحب تلك الصناعة. وأما التي في الأمور المشتركة فإلى الجدلي. وليس يمكننا أن نعطي أسباب الغلط في واحد واحد من العلمية، بل يجب أن نعطي أعم ما يكون، وكذلك يجب أن نعطي ما يكون على الجدلي حله، وهو الذي يرى جدليا وليس بجدلي، كما أن للجدلي في صوابه أصولا عامة، فكذلك بإزاء ذلك له في خطئه وغلطه أصول عامة، تلك الأصول هي أصول القياس المغالطي الشبيه بالقياس المقبول وليس بمقبول. وإذا أعطينا بحسب مقابلة الجدلي فقد أعطينا بحسب مقابلة البرهاني؛ وذلك لأن المآخذ الجدلية تشتمل - كما علمت - بوجه ما للمآخذ البرهانية. وأيضًا فإن نوع الغلط ووجوب التحرز في الأمرين واحد، إذ كان الذي يغلط في الحق فيرى غير الحق أنه حق، هو بعينه الذي يغلط في المشهور والمحمود فيرى غير المشهور أنه مشهور. وإذا علم الغلط في القياس العام كالجدلي، علم الغلط في التبكيت العام، وعلم التبكيت الذي في الظاهر ليس بالحقيقة؛ فإن القياس قياس بحسب نتيجته، وتبكيت بحسب مقابل نتيجته، سواء كان مقابل نتيجته بقياس آخر يقابله أو بغير قياس، فيكون إذن كل قياس، كان بالحقيقة أو بحسب الظاهر، أو كان جدليا بالحقيقة أو جدليا بالظاهر، فهو تبكيت.
وإذ قد علمنا الأصول من عقد المضللات، فقد عرفا مواضع الحل. والجدلي هو الذي يلزمه أن يعرف عدد الأسباب للتبكيت الحقيقي الجدلي، والمضمون تبكيتا، حين تظن جدلية أو امتحانية، معرفة بحسب المشهور العامي.
هكذا يجب أن تفهم هذا الموضع.
)تمت آخر المقالة الأولى والحمد لله رب العالمين ( لا يشكون في أنها محمودة، لكنهم إنما يشكون في أنها صادقة.
وأما المحمودات المظنونة فهي التي، إذا تعقبت، زال حمدهما، لا لأجل ظهور الكذب فقط، بل لأجل الشنعة، أو لأجل فقدان الحمد فقط من غير ضد. فيكون الخطاب وإن استعمل محمودات حقيقية، فإنما يستعملها من جهة أنها أيضًا محمودة في الظاهر. فإن كل محمود حقيقي محمود في الظاهر. وإنما يتصرف فيه على المعتاد في الظاهر من غير أن يجعل لها ترتيب القياس، فيزول الانتفاع بالضمير. ومع ذلك يؤنس منه ضرب في فن غير المعتاد.