فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 781

فقد تميز لك الموضع المفتقر إلى أن يتعدى فيه نفس إثبات الشيء أو نفيه إلى كلام آخر، والموضع المغنى عنه. فإذا كان كذلك، فكيف تغنى الأمور الخارجية في إثبات أحكام كلية، يحتاج إلى تصحيحها أحيانا، إذا لم تكن الشريعة حددتها، مثل أن كل ما كان كذا فهو عدل، أو جور، أو نافع، أو ضار، أو حسن، أو قبيح، أو عظيم، أو صغير. حتى إذا صححت، أدخل تحتها الأمر المثبت وجوده أو لا وجوده. فإن الأمور الخارجية تنفع في أن يقنع في الأمور الجزئية. وأما الأحكام الكلية فلا ينتفع في إثباتها بأن يستدرج السامعون بالحيل الموصوفة، وتكاد تكون الانفعالات النفسانية كلها إنما تتناول شخصا بعينه. فإن المخوف، والمرجو، والمحبوب، والممقوت إنما يكون شخصا بعينه. وإن كان قد يخاف معنى كليا لنفسه، فإن الواقع منه في عرض الاستدراج أمر جزئي. على أن الأولى أن تكون الأحكام الكلية مفروغا عن التشاجر فيها، وأن يكون الشارع والأئمة فرغوا من تحديدها. وإنما تكون التفريعات الجزئية مفوضة إلى الحكام أنفسهم. دون المتنازعين. فإن القضاء على العدل، والجور، والمصلحة، والمفسدة مما لا يفي به كل بنية وكل قريحة، ولا القريحة الوافية به تقتدر على الفتوى الجامع للمصلحة إلا عن رؤية ينفق عليها مدة من العمر. فكيف يصلح لهذا القضاء كل من يصلح للحكومات الجزئية؟ ولو صلح لذلك، لكان الزمان الذي في مثله يفصل الأمر بين المتشاجرين، يضيق عن إنشاء الرأي السديد فيه. وإذا لم يكن ذلك إلى الحكام، فكيف إلى من يليهم من العوام؟ فالقوانين الكلية موكولة إلى وضع الشارع. ولابد من شارع من عند الله. وأما اس - عمال الكليات في الجزئيات فيقوم به الحكام، حتى يكون غاية نظرهم إنما هو في كون الأمر الجزئي، وغير كونه، سالفا، أو حاضرا، أو من ذي قبل. ويكون الحكم الكلي متقبلا من الشارع. فكما أن الحكام القاصرين عن رتبة الشارعين يقصرون عن وضع الشريعة، كذلك الشارعون لا سبيل لهم إلى الحكم في جزئي جزئي بعينه مما لا يتناهى.

فهذه ثلثة أشياء: كون الأمر ولا كونه، وهو الذي تنفق فيه الحيل الاستدراجية في تصحيحه. والثاني: الحكم الكلي، وهو شيء مفروغ عنه، ليس مما يستأنف إثباته؛ وإن كان مستأنفا إثباته، فليس للحيل الاستدراجية في تصحيحه مدخل. والثالث: النتيجة الجزئية في أن هذا الكائن كذا أو ليس كذا. وهذا أيضًا فليس تنفع فيه الحيلة الاستدراجية. والوجه الأول، العرض لنفوق هذه الحيل فيه، فإن عموده غير هذه الحيل.

فقد ظهر من هذا أن المقتصر بتقنينه لقوانين الخطابة على تعليم هذه الأمور قد اقتصر من الأمر على صفحته الخارجة، ولم يستبطن كنهه، ولا أدرك حقيقته، بل أكثر جدوى ما صنعه تعريف حيلة يتمكن بها من تصيير السامع على هيئة موافقة لقبول الحجة والإذعان للتصديق الذي يكتسبه صناعة. ونفس هذا التصديق إنما يتوقع من جهة العمود كالضمير لا غير. وقد عرفت أن الضمير ما هو. وإذا كان المعتمد هو الضمير، فبالحري أن لا يختلف حكم صناعة الخطابة فيما يراد به التفسير، وهو التبيين، على سبيل تصح في المشورة، والمشاجرة المبنية على المنازعة في الشكاية والاعتذار. إذ العمدة في جميع ذلك واحد، وهو الضمير. وأما الحيل الاستدراجية فعسى أن ينتفع بها في المشاجرة، دون التفسير. وليس أيضًا ينتفع به في كل مشاجرة، بل في مشاجرة سوقية منبعثة عن معاملة في أخذ، وإعطاء، أو ما يجري مجراها. وأما المشاجرات في الأمور السياسية التي تقع بين أهل مدينة ومدينة، وتقع بين متوليين لسياسة مدينة، فإنها عالية عن خلطها بهذه الحيل الخارجة؛ وإنما مجراها مجرى التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت