فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 781

إن الحدود قد يقع فيها برهان إن وبرهان لم على وجهين: أحدهما أن يكون المطلوب واحدا بعينه فيكون عليه قياسان: أحدهما لا يكون قد وفيت فيه العلة الأولى - أي القريبة للأمر، الموجبة له لذاته، وتكون هذه العلة قد وفيت في الآخر، فيشترك القياسان في أن كل واحد منهما أعطى العلة للأمر، ويفترقان في شيئين: أحدهما أن أحد القياسين أعطى العلة البعيدة والثاني أعطى العلة القريبة. والثاني منهما أن أحد القياسين فيه مقدمة تحتاج إلى متوسط وهو العلة القريبة، والمعلول القريب؛ ولذلك لم يعط فيها اللم المحقق، والآخر ليس فيه مقدمة محتاجة إلى ذلك. فهذا أحد الوجهين الممكنين وسيرد تفصيله بعد. وأما الوجه الثاني فأن لا يكون قد أعطى في كل قياس منهما علة لا قريبة ولا بعيدة، ولكن أعطى في أحدهما ما ليس بعلة أصلا: فإنه قد يمكن أن يكون ما ليس بعلة منعكسا على الحد الآخر من المقدمة، سواء كان ما ليس بعلة معلولا للآخر كلمع الكوكب الذي هو معلول لبعده، وهو مما ينعكس على العلة وهو بُعده، ومثل هيئة تزيد ضوء القمر الذي هو معلول كريته، وهو مما ينعكس على العلة وهي كريته، أما كان ما ليس بعلة ليس أيضًا بمعلول للآخر ولا علة، مثل دلالة ثبات الهالة على سجوم المطر عن السحاب الذي فيه الهالة. فإنه إذا كان يمكن أن يكون معلول منعكس أو علامة منعكسة - وإن لم يجب ذلك فربما لم يكن المعلول منعكسا، بل كان اعم مثل إضاءة البيت بسبب الاصطباح، أو كان أخص مثل التدخين عن النار، وكذلك العلامة على ما علمت - فتبين أنه يمكن أن يبين بالمعلول العلة، وبالعلامة ذو العلامة، ويمكن أن يبين بالعكس. وإنما يتوقف الأمر على الأعرف. فإن كان الأعرف نسبة المعلول أو العلامة إلى الحد الأصغر، كان هو الأولى أن يجعل حدا أوسط والعلة حدا أكبر، فكان ذلك وجها من وجهي هذا البرهان، مثل قولك: إن الكواكب المتحيرة مضيئة غير لامعة، وكل مضيء غير لامع فهو قريب، فالكواكب المتحيرة قريبة. وأيضًا: الكواكب الثابتة مضيئة لامعة، وكل مضيء لامع فهو بعيد، فالكواكب الثابتة بعيد. ثم كل واحد من اللمع وسلبه مسبب ومعلول: ذلك للبعد، وهذا للقرب. وكذلك قولك: القمر يتزيد ضوءه كذا وكذا، وكل ما يتزيد ضوءه كذا وكذا فهو كرى، فالقمر كرى. فهذا أيضًا الأوسط فيه معلول الأكبر.

فهذه أمثلة الضرب الثاني من برهان إن. ولو أن هذه الحدود الكبرى كانت أعرف من هذه الحدود الوسطى، وكان القرب والبعد للمتحيرة والثابتة أعرف من اللمع واللامع، والكرية أعرف للقمر من هيئة قبول الضوء، لكان يمكن أن تجعل هذه العلل حدودا وسطى؛ فيقال إن الكواكب المتحيرة قريبة الضوء، وكل قريب الضوء فإنه لا يلمع؛ أو يقال إن القمر كرى، وكل كرى فإنه يقبل الضوء هكذا، فكان هذا برهان لم. على أنه يجوز أن يعلم أولا الإن بالمعلول ثم يقلب فيعلم اللم بالعلة فلا يكون دورا: لأن البيان الأول لم يطلب فيه لم البتة؛ وأما البيان الثاني فلم يطلب فيه إن البتة. فيكون هذا قريبا من المصادرة على المطلوب وليس مصادرة على المطلوب.

ففي أمثال هذه المواد المنعكسة يمكن في علم واحد أن يعلم إن صرف أولا ثم يعلم لم صرف ثانيا من مواد بأعيانها مع ما فيها من تقديم وتأخير وزيادة ونقصان. مثاله أن يعلم بالعلم الرصدي أن القمر كرى الكل لأنه يستضيء كذا وكذا، فيكون هذا محفوظا. ثم يتعرف من العلم الطبيعي أن الأجرام السماوية يجب أن تختص بالأشكال الكرية من جهة برهان طبيعي يعطي اللم والإن جميعا، ثم يقال: فلذلك ما صار على هذا الشكل الذي أنت غير شاك به في إنيته وإنما وإنما تجهل لميته.

وقد يمكن مثل ذلك من وجه آخر. وذلك لأنه د يمكن أن يكون لشيء واحد معلولات ولوازم مقارنة، لا هي علل ولا معلولات، مثل أن تكون معلولات لشيء وتكون منعكسة عليه ويكون له أيضًا علل ذاتية منعكسة عليه، ويكون وجود تلك المعلولات واللوازم لموضوع ما أعرف من وجود الشيء له، ووجود تلك العلة أيضًا لذلك الموضوع أعرف من وجود الشيء له. فإن جعل الحد الأوسط من العلل، كان برهان لم وإن معا؛ وإن جعل من اللوازم والمعلولات كان برهان إن فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت