فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 781

ووجه آخر أن المطالب البرهانية يراد فيها تقصي العلم ومعرفة ما للشيء بالذات وذلك بالكلى الموجب. فأما الجزئي فليس به علم مستقصى: لأن قولك بعض ج ب مجهول أنه أي بعض هو. فإذا عينته وعرفته وكان مثلا"البعض الذي هو رد"عاد إلى الكلية فصار كل د ب. أما السالب فإنه يعرف من الشيء ما ليس له، وهذا أمر غير ذاتي وبغير نهاية، إلا أن يُومأ في ضمن السلب إلى معنى ليس ساذج السلب فتكون قوته قوة الموجبة المعدولية. ويكاد يكون أكثر السوالب البرهانية على هذه الصفة كبرهان المعلم الأول على أن الفلك لا ضد له.

فإذن النظر المستقصى الذاتي هو الموجب الكلى، وهو مما لا ينال إلا بالشكل الأول. وقد يكفي الشكل الأول من الفضائل أن هيئته هيئة قياس بالفعل، وهيئة غيره هيئة قياس بالقوة، فقد أوضحنا أن ذلك كيف يكون.

وكأن قائلا تشكك على المعلم الأول في هذا الموضع إذ ذكر أن تحليل القياسات من الشكلين الآخرين إلى مقدمات غير ذات وسط في الشكل الأول أن السالبة كيف يكون لها تحليل إلى مقدمات غير ذات وسط، فإن المقدمات التي تنحل إليها السالبة فلا بد فيها من سالبة، فكيف تنتهي إلى سالبة غير ذات وسط، وكيف تكون سالبة غير ذات وسط؟ أما الموجبة التي لا وسط لها فهي التي لا يمكن أن يكون المحمول فيها أولا لشيء هو علة لوجوده للموضوع. والسالب كيف يكون فقدانه للوسط، ليت شعري! فقال إنه كما أن الموجبة قد تكون بغير وسط - أي بحيث لا يقتضي حمل محموله على موضوعه شيئا متوسطا يقطع مجاورتهما، فيكون هو أولا للموضوع، والمحمول له أولا ثم للموضوع؛ فكذلك السالبة قد تكون بغير انقطاع، أي بحيث لا يكون الحكم بسلب محمولها عن موضوعها مقتضيا شيئا آخر عنه يسلب محموله أولا وهو موجود للموضوع؛ ولأن السلب الكلى منعكس، وخصوصا في الضروريات لذاتيات: فمتى وجد لأحد الحدين شيء محمول عليه ليس على الآخر، وإن لم يكن أو لم يسبق أولا إلى الذهن وجود شيء للآخر محمول عليه ليس للأول، أو كان يوجد لكل واحد منهما شيء يخصه أو أشياء فيكون في كل رتبة شيء أو أشياء خاصة تساوى ذلك الحد، كانت الرتبتان متنافيتين ليس في إحداهما شيء يدخل في جملة الأخرى، فإن المحمول على أحدهما يمكن أن يجعل حدا أوسط، فيكون سلبهما أيّهما شئت عن الآخر بقياس.

فغن المحمول الموجب إنما هو في جانب أحد الحدين فقط، كان ذلك بقياس واحد لا غير، مثل إن كان كل أ ج ولا شيء من ب ج: أو كان كل ب ج ولا شيء من أ ج.

وإن كان المحمول الموجب قد وجد في جانب كل واحد من الحدين، كان بقياسين. مثلا إن كان أ، د، ج طبقة متساوية، و ط تحمل عليها وتساويها؛ وب، ه، ز طبقة مساوية، ج يحمل عليها ويساويها؛ ومعلوم أن شيئا من هذه الطبقة لا يحمل على شيء من تلك الطبقة. فغن قيل: كل أ ط ولا شيء من ب ط، كان قياس. وإن قيل كل ب ج ولا شيء من أ ج كان قياس، وهما قياسان، وكذلك الحال إن لم يكن إلا ويحمل عليه ط فقط أو ب ويحمل عليه ج فقط. لكن العادة في التمثيل جرت بذلك.

فإذا كان على أحد الحدين محمول خاص كان السلب بانقطاع. فيجب أنه إذا كان ليس علة أحد الحدين محمول خاص، وأحدهما مسلوب عن الآخر، أن يكون ذلك سلبا بلا انقطاع - أي بلا واسطة - فإنه أي واسطة أُحضرت، كانت مسلوبة عن الطرفين أو موجبة على الطرفين فلم ينتج.

وأما لفظ الكتاب في نسختنا فيوهم بدل المحمول الموضوع والأقسام بحالها. وذلك أيضًا من وجه يستقيم، ولن النتائج تكون جزئية: فإنه إذا كان على كل بعض حكم كلى بقياس، فليس على الكل بلا قياس. وقد وضع كليا بلا انقطاع. فيشبه أن يكون هذا معنى ظاهر النسخة التي عندنا. والأولى ما كتبناه أولا.

ولقائل أن يقول: إن السالبة التي لا وسط لها إن طلبت بهذه الشريطة لم توجد: فإنه لا يخلو أ، ب من حد أو رسم ومن أجزائهما. وإن كان نفسه حدا لم يخل من اسم يدل على المعنى بلا تفصيل. وبالجملة ليست الأشياء تخلو عن خواص ولوازم حتى الأجناس العالية التي لا يحمل عليها جنس. فكيف يوجد أ، ب غير محمول على أحدهما شيء لا يحمل على الآخر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت