فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 781

وأما السائل فإن يغالط المجيب بذلك إذا كان بعيدا عن تمييز معاني الاسم المشترك، فيكون للسائل في ذلك وجهان من المنفعة: أحدهما أنه إن شاء أعلم آخر الأمر عجز المجيب، والآخر أن يكون السائل لا يحضره قياس على مقابل وضع المجيب، فيأتي بقياس على مقابل ما يشاركه في الاسم مكانه؛ وإنما يمكن هذا فيما لا يكون الحكم على جميع معاني الاسم المشترك فيه واحدا، لا كما الحال عليه في قولنا:"كل عين جسم"، فإن المجيب حينئذ أو للسائل أن يقول: إن حكم ما ذكرت أنك عملت عليه القياس كحكم المعنى، وإنما أنصر المعنيين جميعا نصرة واحدة. أو يقول السائل: أنا أقصد مقابل كذا، وهو عندك في الحكم على حكم الآخر الذي ظننت أني غلطت في إيراد القياس على مقابله، بل كلاهما عندك سواء، فيسقط بهذا التشنيع والتعجيز. وعلى أن النفع يقل في انتقال السائل من مقابل المطلوب إلى مقابل مشاركة؛ إذا كان حكمهما سواء. بل إنما ينتفع بهذا إذا كان حكم الأمرين مختلفا.

وبالجملة فإن هذا مغالطة، وليس عدلا في الجدل، ولا يحسن أن يشتغل به الجدلي إلا في مثل العذر الذي أوضحناه، وذلك إذا أحس بقصور من نفسه عن مقاومة الخصم؛ وكان غرضه في مقاومته مصلحة؛ ووجد لنفسه فرجا ووصولا إلى الغرض هما متعلقان باستعمال اللفظ المشترك؛ إذ الغرض في مثل ذلك ليس بيان الحق، بل المصلحة.

وأما الأداة المبنية على طلب الفصول فمنفعتها في ارتياد المواضع والمقدمات المعدة نحو القياسات التي تقصد قصد النظر في الواحد والغير، إذا أريد إبطال الواحد وإثبات الغير. وتنفع أيضًا في الحدود، فإن كمال الحدود بالفصول.

وأما الأداة المبنية على طلب التشابه فتنفع في الاستقراء؛ إذ الاستقراء مبني على طلب أمور متشابهة تحت كلى وكلى آخر؛ ليجعل أحد الكليين محمولا على الآخر؛ فإن كانت متباينة لم تنفع. وهذه المنفعة - على ما علمت - مشهورة لا حق؛ وينتفع بها أيضًا في القياسات الشرطية المتصلة، ولكن منفعة مشهورة أيضًا، لا حقة.

وأما كيفية المنفعة المشهورة فيها فهي على وجهين ك أحدهما ما يستعمله الجدلي وغرضه ليس الخلف والتشنيع بل الاستقامة، كقولهم: إن كان اللمس يورد الملموس على اللامس؛ فالإبصار يورد المبصر على المبصر. وهذا كلام جدلي كثيرا ما يكون مشهور القبول؛ لكنه ليس بواجب؛ أعني أن يكون الحكم في الشيء كالحكم في شبيهه. لكنه إذا ثار هذا الوجه من الاحتجاج مشهورا ومستعملا، كان من العدل في المشهور أن يطالب المخاطب بإيراد الفرق بينهما، وأما في الحقيقة فلا يلزم المخاطب ذلك، لأنه ليس يلزم في الحق أن يكون حكم الشي كحكم شبيهه، بل هذا ممكن أن يكون، وممكن أن لا يكون، فهو كنفس الدعوى. وإنما يلزم من طريق النظر الحق ما لزم من مقدمات واجبة، وإذا كانت المقدمات لست واجبة فليس الكلام بقياس، إذ ليس فيه مسلم وموضوع، وقد علمت أن هذا كان شرط القياس في أن يصير ما يلزم عنه لازما، فيكون للمخاطب أن يقول، ولم يجب أن يكون حكم البصر كحكم اللمس وإن تشابها في أنهما حاستان، فما لم يتبين ذلك عليه بغير وجه المشابهة لم يجب.

وأما الذي في طريق الخلف والتشنيع، فكما يقوله قائلهم: لو جاز أن يكون كذا، لجاز أن يكون كذا؛ أعني لو جاز أن يكون البصر يرسل رسولا إلى خارج لجاز أن يرسل اللمس رسولا أيضًا إلى الملموس، وتكون لفظة"لو"هاهنا أحسن في الاستعمال، ولفظة"إن"هناك، فإذا كان استعمال هذا عند جدلي زمان محمودا مشهورا، كان من العدل في الجدل أن يطالب الخصم بالفصل حتى يبين أنه لم جاز في هذا دون ذلك، وكان حينئذ إذا لم يبين بعد هذا، إن كان هذا المأخذ صار مشهورا مقبولا، فإن المأخذ قد يصير مشهورا، كما المقدمات قد تصير مشهورة. وأما في الحق فلا يلزم الخصم أن يجب عن ذلك البتة، بل يقول: ولم كان يجب إذا جاز شيء في شيء أن يجوز في شبيهه، بل يجوز أن يكون حكم موجودا في شيء، وغير موجود في أقرب الأشياء شبها به منه. وإذ ليست هذه المقدمة بمسلمة، فليس قياسك بقياس يلزمني طلب الفصل فيه، وهب أني لست أقدر على الفصل فيه، فأين برهانك على وجوب التشابه فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت