أما ما يقال إن فصول الأعراض هي أنواعها، فقد علمت فيما سلف أنه لا يجب أن تفهم من ذلك أن الفصل المنطقي للعرض هو بعينه نوعه، بل تفهم أن معنى الفصل في كل موضوع غير معنى النوع، وأن الجنس ليس البتة جزءا من مفهوم الفصل، وهو جزء دائما من مفهوم النوع، لاشك فيه. لكن معنى ذلك أنه ليس النوع الذي للبسائط إلى أن يكون له فصل مجرد بسيط، حتى يكون له حينئذ فصل منطقي مشتق منه، بل الشيء الذي هو النوع فيها، إنما يكون معنى الفصل المنطقي له لذاته، يعني أن البياض وما يجري مجراه من البسائط ليس مفرقا للبصر بتفريق يقترن بشيء، فيكون منهما شيء ذو تفريق هو المفرق، بل يكون البياض بحيث مفرقا للبصر لذاته، لا كالناطق إذا كان ناطقا ينطق، وإن كان ليس أنه مفرق للبصر هو انه بياض، إذ هو مفرق البصر بمعنى أنه شيء مفرق للبصر، وهو انه بياض بمعنى أنه لون مفرق للبصر هو انه إن كان لا يوجد المفرق للبصر إلا لونا فليس أنه شيء مفرق للبصر هو انه لون مفرق للبصر؛ فإنه ليس كل ما لا يوجد الشيء إلا ويكون هو هو يجب أن يكون داخلا في مفهومه ومقوما لماهيته. وقد علمت هذا فيما سلف. فهذا الحكم إذن لا يوجب ما ظنوه من أن يكون نوع البسائط هو بعينه فصله في المعنى والمفهوم. ولهذا لا يحسن أن يقال: اللون البياض، كما يصح أن يقال اللون المفرق للبصر. فلا يجب أن يقال قد يكون الفصل نوعا يحاول بذلك إبطال هذا الموضع، وإخراجه من الحقيقي، وخصوصا ما قيل مع ذلك. لكن النوع لا يكون فصلا البتة؛ وهذا يوجب أن ينعكس فلا يكون فصل نوعا البتة، أو يقال إن هذا في أنواع الجواهر وفصولها. وكيف والأمثلة جاءت لغيرها؛ بل يجب أن تعلم أن الفصل المنطقي لا يكون البتة نوعا لشيء إلا على وجه ما لفصل منطقي آخر، وهو الذي يكون له مكان جنس. وكثيرا ما يكون ذلك الذي كالجنس فصلا الأعلى الذي فيه الشيء. مثاله الحساس، ومعناه شيء ذو حس، فإنه نوع من المدرك الذي هو شيء ذو إدراك. وقد علمت أن مثل هذا كيف يدخل في المقولات وكيف لا يدخل فيها. وأما ما هو نوع من مقولة من المقولات، فليس هو البتة فصلا لشيء على انه فصل منطقي؛ بل يكون فصلا لشيء على أنه فصل بسيط؛ والكلام هاهنا في الفصل المنطقي؛ فليس شيء من الفصول المنطقية نوعا لشيء من المقولات، وبالعكس ليس شيء من أنواع المقولات فصلا منطقيا لشيء. وإنما قلنا إن الاعتبار هاهنا مصروف إلى الفصل المنطقي، لأن المثال الذي هاهنا هو الحاد، وهو محمول على الصوت، من غير اشتقاق، فيقال: صوت حاد. ولا كذلك الفصل البسيط، فإنه إنما كما علمت بأن يشتق منه.
واعلم أنه وإن لم يكن للفصول المنطقية في الأمور البسيطة فصول بسيطة وجودا، فإنه قد يقال ذلك سبيل التفهيم قولا، فيقال: لون له تفريق البصر. فلا يجب أن تظن انه يعني به التفريق بالفعل، فإن ذلك ليس فصلا. ولا يجب أن تفهم منه أن في طباعه شيئا هو التفريق نقترن بالشيئية حتى يكون مجموعهما المفرق كالبياض المقترن بالشيئية، حتى يكون مجموعهما الأبيض، ثم يوصف به الجسم؛ بل إنما يقال ذلك على سبيل التفهيم والمجاز. ويجب أيضًا أن تعلم أنه إذا كان أحد المعنيين المفهومين من الثاني نوعا والآخر جنسا، فغن اللفظ مشترك؛ وكذلك إذا كان أحدهما جنسا، والآخر فصلا. وكذلك إذا كانا فصلي جنسين مختلفين في العموم. لكن أمثال هذه المشتركات قد يدل بها على شيء واحد بالذات أو العدد من جهتين؛ وقد سمعت أمثلة هذا مرارا.
وأما الأداة التي بعد هذا مما لابد للجدلي من الارتياض به فيه، فالاقتدار على أخذ الفصول بين الأشياء، فإنه بذلك يفرق بين الأمور المتشابهة الأحكام، ويطلب هذه الملكة بين الأمور المتجانسة بل المتشابهة جدا؛ وأفضل ذلك ما كان في اعتبارات أحكام شيء واحد. على أن البحث عن تباين أمور متشابهة الجناس نافع جدا، مثل التفريق بين أحكام الحس وأحكام العلم. وأما الأشياء المتباعدة جدا، المختلفة الأجناس، التي لا تشابه فيها في طبائعها ولا في أجناسها ولا موضوعاتها، فغن اعتبار الفروق بينها كأنه خوض في تعرف أمر معلوم، وذلك غير مفيد دربة.