وقد نهجنا لك سبيلا الى أن تعلم أنه كيف أن تعلم في المثال الاول أن كل ج بَ، وتعلم أيضا أن كل بَ آ، ومع ذلك يظن أن لاشئ من ج آ. أو تعلم ههنا أن كل كوكب فهو من جوهر الجسم السماوي، وتعلم أن كل ماهو من جوهر الجسم السماوي فهو غير ناري، ثم تظن ان الكواكب نارية. فانه يسهل عليك بما اعطيناك آنفا أن تحل هذه الشبهة. لآنك تعلم من ذلك انه لافرق بين أن تعلم الكبرى، ولم تضع الاصغر تحت الاوسط بالفعل في انه لايجيب أن تعلم النتيجة بالفعل، وبين أن تعلم الكبرى والصغرى معا ولم تؤلف بينهما تأليفا تلزم عنه النتيجة بالفعل، لن وجود هاتين المقدمتين في النفس كيف اتفق، لا يوجبان في النفس العلم بالنتيجة، الا ان يكون فيما بينهما تأليف ما مخصوص، وأن تكون النفس مرعية لذلك التأليف، معتبرة اياه قاسية بينه وبين المطلوب. كل ذلك بالفعل والا وقع ذهول. مثلا ان من يعلم ان هذه بغلة، ويعلم ان كل بغلة عاقر. فاذا لم يجمعهما معا في الذهن خاطرين بالبال، أمكن ان يظن مع ذلك ان في بطن هذه البغلة جنينا. وذلك لأن هاتين المقدمتين ليستا سبب النتيجة الا بالقوة. وانما تصيران شبب النتيجة بالفعل اذا اخطر معا بالبال على الترتيب الذي من شأنه أن ينتج قاعدة نحو النتيجة. وأما اذا كانا معلومين بالتفاريق، ولم يحضرا معا في العلم على للترتيب المذكور، ونحو الغرض المقصود، فان النتيجة تلزمهما بالقوة. كما أن الكبرى وحدها اذا علمت، لم يعلم وجود النتيجة مالم يخطر بالبال أن الاصغر موضوع تحت الاوسط وتحت حكمه. فاذن الخدعة الواقعة مع العلم بمقدمتين ومع العلم بالمقدمة الكبرى الكلية متشابهة؛ أحدهما، الجهل فيه بجزئي، وهو بالقوة تحت كلي معلوم؛ والثاني، الجهل فيه يلازم هو بالقوة بعد لازم عن ملزوم معلوم، لا من حيث هو ملزوم بالفعل، بل من حيث ذاته. فعلى هذا ينبغي أن يفهم قول المعلم الاول.
فإذن ليست من جهة واحدة جهل الشئ وعلم. فقد زال تشكك رجل يقال له مانن على فيلسوف يقال له سقراط. إذ قال له: هل المطلوب عندك بالقياس معلوم، أو مجهول؟ فان كان معلوما فالطلب محال، وان كان مجهولا فكيف تعرفه اذا وجدته؟ وهل يمكن أن يظفر بالآبق من لم يعلم عينه ؟ ولم يتعرض سقراط بالمعلوم. وأما تلميذه الذي يقال له افلاطون فلما تعرض لذلك قال: إن التعلم تذكر. وكيف يستقيم هذا الذي اعتمده هذا الفيلسوف الآخر متخلصا به عن الشك والعالم بأن مل مثلث زواياه الثلاث مساوية لقائمتين عالم بالقوة بالمثلثات الجزئية، وإن كان جاهلا بها بالفعل. فكما يحس بمثلث جزئي،ويعلم ان هذا الشئ مثلث، ويخطر بالبال ما كان علمه اولا، تيقن ان هذا الشئ زواياه الثلاث مساوية لقائمتين. ولايجوز أن يكون قد تذكر شيئا علمه قبل، فان هذا المثلث الجزئي انما حدث الآن، فكيف يكون علم من قبل أن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين ؟ بل انما كان علم اولا علما كليا، ثم علم ثانيا وقوع هذا الجزئي تحت ذلك الاول العلم الكل، فعلم ثالثا أمرا لم يعلمه قط بالفعل بل بالقوة. فاذن قد كان يعلم المطلوب لا من الوجه الذي يجهله، ويجهله لامن الوجه الذي يعلمه. فليس المطلوب اذن يجهل كل الجهل حتى اذا وجدناه لم نعلمه بوجه لايخصه، ولا ايضا نعله كل العلم حتى نستغني عن طلبه لأنا نجهله من الوجه الذي يخصه. وهذا كمن كان يعرف آبقا أبق منه بعلامة، فعرف مثلا ان كل من به تلك العلامة فهو آبقة، ولا يعرف اين آبقة الذي يطلبه، فكما يحس به يحس بالعلامة، وهو الحد الاوسط فيحكم انه الآبق المطلوب.