فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 781

فأما الأمر الذي هو الواجب، فهو أن لا يكون للقايس على خصم مقاوم، المحتاج في قياسه إلى مقدمات يسلمها له خصمه أن يمضي في تلك المقدمات يؤلفها تأليفا، ولا يدري هل هي مسلمة أو غير مسلمة. فكيف يكون على الخصم قياس من مقدمات لا يضعها ولا يسلمها؟ وكيف تكون تلك لمقدمات مسلمة بالفعل، ولم يسلم؟ وهل في استعماله تلك المقدمات، وهو لا يشتغل بتسلمها إلا نفوذ في الشك وحسن ظن. وليت شعري كيف يكون ما يجمعه قياسا؟ وهل القياس الذي يلزم الإنسان إلا من مقدمات مسلمة عنده؟ وكيف يكون تسليم بلا مسلم، وكيف يكون مسلم ولم يتسلم منه؟ ومعلوم أن تسليم السائل لا ينفع السائل، وتسليم المجيب لا يحصل له إلا بعد السؤال؛ وهل في إيراده قياسا من مقدمات لم تسلم إلا عمل باطل غير متقن؟ فعسى أن لا يسلم شيئا منها، فيكون حينئذ ما ظنه قياسا ليس بقياس، ويكون جميع ما سرده ضائعا، بل يحتاج أن يعاوده من رأس إذا لم تسلم له مقدمة، فيشرع في إثباتها، فإن لم يمكنه فقد تولى باطلا؛ وإن أمكنه فيحتاج أن يقيس حينئذ من رأس. وإنما يكون القياس قياسا الآن حين سلمت المقدمة.

فالأمر الطبيعي للسائل - من حيث هو سائل - أن يكون قياسا من مقدمات قد تسلمها، فيلزمه لا محالة أن يسأل عنها أولا فيتسلمها، فتكون المسألة الجدلية بالحقيقة مسألة عن مقدمة، والسائل الجدلي بهذا السؤال هو سائل جدلي، لأن هذا السؤال هو الذي يدخل في نفس الجدل، وبه يتم فعل الجدل.

فأما السؤال عن المذهب فهو أمر خارج عن الجدل، وإن كان شيئا لابد منه بل إنما هو تمهيد لما يحتاج إليه ليجادل عليه بعد ذلك. كما أن نصب الغرض ليس جزءا من الرمي، بل هو تمهيد لما يحتاج إليه ليرمي نحوه.

وأما الأمر المقوم للجدل الداخل فيه، فهو إيراد القياس الجدلي، والحجة الجدلية. وللسائل خاصة إيراد القياس السائلي خاصة، والحجة السائلية. والقياس السائلي، محصل من المقدمات التي من حقها أن تكون أولا مسائل، فإذا تسلمت كان حينئذ له سبيل إلى القياس السائلي. فالسؤال الجدلي الداخل في الجدل على انه جزء منه هو السؤال عن المقدمة لا غير. والسائل الجدلي هو سائل جدلي من جهة هذا السؤال المسئول، ليتسلم ما يستعان به في إنتاج مقابل وضع واضع.

وأما المجيب فلا يحتاج أن يسأل، بل يورد ما هو السبب عنده في اعتقاد ما اعتقد لأنه ناصر وضع نفسه، وحاك عن داعيه إليه في نفسه؛ وليس يفسد وضع غيره فيحتاج إلى شهادته. وناصر وضع نفسه يحتاج أن يورد وضعه بمقدمات مسلمة لا عند نفسه فقط - حتى يكون الرضا ما يرضاه، ولا عند خصمه إذ ليس إثباته لوضعه متعلقا بوجود خصم له حتى إن سلم هو كان له وضع، وإن لم يسلم لم يكن له وضع - بل أن تكون مسلمة في نفسها.

وناصر الوضع قد يكون ناصر وضع عند من لا يعانده. فإن اتفق أن كان هناك معاند له صارت نصرته بالذب؛ أعني بالذب: الذب عن مقدمات قياسه بان يمنع المقاومات، وعن نتيجة قياسه بان يمنع ما ينتج مقابلها.

فكما أم المجيب يتعرف مذهبه ليكون بحسب الإجابة دالا على وضعه الذي له، كذلك قد يتعرف ما دعاه إلى وضعه. فحينئذ لا يكون جوابه إلا بالحجة، وحينئذ لا تكون حجته مبنية على ما ياتيه من جهة تسليم خصمه، فإنه ليس داعيه إلى وضعه أمرا بحسب خصمه، بل بحسب نفه؛ لكن لخصمه - وهو السائل - أن يقاومه في المقدمات التي يشتمل عليها ما دعاه إلى وضعه، وأن يترك ذلك ويقبل على تأليف ما ينقض وضعه.

فالقياس الجدلي أعم من السائل الجدلي، وكلاهما يؤلف من الذائع المحمود؛ لكن أحدهما مما هو محمود بحسب الجمهور، والآخر مما هو محمود عند المخاطب. وكل محمود فهو مسلم من حيث هو محمود؛ لكن للمجيب خاصية مقاومة تنحو نحو أن لا نفعل، وللسائل خاصية مناقضة تنحو نحو أن يفعل. ولكل واحد منهما حيلة ومزاولة يتم بها فعله؛ لكن السائل غايته مضمنه في كونه قياسا، ومتوصلا إلى عمل القياس. فإنه إذا أمكنه الأمر العام له ولغيره، وهو اتخاذ القياس من المسلمات، فقد أمكنه القياس على مقابل الوضع. فإذا ذكر أن الجدل ملكة يقتدر بها على إيحاد مثل هذا القياس، دخل في ذلك الاقتدار حال السائل، وبقى حال المجيب من حيث هو مجيب، وإن كان لا يقيس. لأن المجيب ليس يلزمه من حيث هو مجيب، أن يكون قياسا. والسائل يلزمه من حيث هو سائل أن يكون قياسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت