وأيضًا فإن الذي لا حاجة له في أن يعرف وأن يوجد معا إلى شيء ثان - والثاني منهما إليه حاجة - فهو أقدم وأعرف معا من الثاني. والبرهان السالب لا يتم البتة إلا بمقدمة موجبة إنما يكون عليها برهان موجب إن كان، ولا يعرف إلا بها. والبرهان الموجب يتم ويعرف بلا سالبة. فإذن البرهان الموجب أقدم من السالب وأعرف.
وأيضًا فإن البراهين الموجبة تجد المتوسط في حدودها إنما نسبته إلى الطرفين نسبة إيجاب فقط. وكذلك التزايد فيها - وهو أخذ حد خارج عن الحدود الثلاثة لتركيب البراهين الموجبة - موجب أيضًا، ويستمر كذلك لو كان يجوز أن يكون ذلك بغير نهاية ولا مدخل للسلب فيها. وأما البرهان السالب فالغالب فيه في التوسيط والتزيد معا هو الموجب. فإنك إذا كنت قلت كل ج ب ، ولا شيء من ب أ: فإن أردت أن توسط بين ج ب حدا فلا شك أنك توسط بإيجابين. وإن أردت أن توسط بين ب أ حدا، لم يكن بد من موجبة وسالبة. فتصير جملة القياس - كيف وسطت - مؤلفة من موجبتين وسالبة واحدة: كقولك كل ج ب وكل ب د ولا شيء من د أ. أو كل ج د وكل د ب ولا شيء من ب أ.
وكذلك لو ذهبت في التوسيط إلى المقدمات الأولى، كانت الموجبات تزيد والسالبة تكون واحدة. فإن لم تكن تتمة القياس بالتوسيط بل بالتزييد من خارج، فضممت إلى قولك ولا شيء من ب أ قولا سالبا آخر، لم يمكنك أن تأتي بقياس مركب. ولكن تحتاج إلى أن تزيد لا محالة موجبة فتقول وكل د أ حتى ينتج بقياس مركب أن لا شيء من ج د.
فبين إذن أن الموجبات غالبة في البراهين السالبة وأكثر عددا في القوة من السالبة.
فالموجبات إذن أوجب إحضارا في الذهن من السوالب في كل قياس، وهي في أنفسها أفضل. فالمركب منها والمؤدي إليها أفضل.
وأيضًا فإنه وإن كانت المقدمات الكبريات غير ذوات أوساط وكانت موجبة في البراهين الموجبة وسالبة في البراهين السالبة، فغن الموجبة أقدم وأعرف.
أما أنها أقدم، فلأنها أبسط، لأنها تتم بحدين ورابطة. والسالبة تحتاج إلى حدين ورابطة وحرف سلب كما علمت في الفن الثالث. والذي يتم وجوده بأشياء أقل وأبسط، أقدم من الذي يتم وجوده بتلك الأشياء وزيادة.
وأما أنها أعرف، فلأن الإيجاب وكل معنى وجودي فهو معروف بذاته، متصور بنفسه، لا يحتاج في تفهمه إلى قياسه إلى السلب كالوجود وكالملكات. وأما السلب وكل معنى عدمي فإنه إنما يعرف بالوجودي. فما لم يعرف الوجود لم يعرف اللا وجود، وما لم يعرف الملكة لم يعرف العدم كما قد اتضح لك فيما سلف. فالسلب إنما يعرف إذا عرف الإيجاب، فإنه إذا لم يعرف ما هو لم يعرف ما ليس هو. فإذن البرهان للمبدأ الموجب والمنتج له أفضل وأشرف.
والبرهان المستقيم أفضل من الخلف.
وليكن المستقيم هكذا: كل ج ب ، ولا شيء من ب أ ، ينتج أنه لا شيء من ج أ . وليكن الخلف هكذا: إن كان قولنا لا شيء من ج أ باطلا، فليكن بعض ج أ ، وكان لا شيء من ب أ - وهو مسلم - ينتج أنه ليس كل ج ب. هذا خلف إذا كان كل ج ب. ثم إنما أوجب هذا الخلف وضعنا بعض ج أ. فهو محال: فنقيضه - وهو قولنا لا شيء من ج أ هو حق. ففي المستقيم إنما أوجب المطلوب صدق قولنا كل ج ب الموضوع يجنب قولنا لا شيء من ب أ إيجابا بذاته. وفي الخلف إنما أوجب النتيجة كذب قولنا بعض ج أ صدق قول آخر شرطي انتقل به من كذب النتيجة إلى صدق ضدها كما بان لك في الفن الذي قيل هذا. والذي يوجب بصدقه وحده وبذاته صدق النتيجة بلا قياس آخر، أفضل من الذي يوجب بكذبه صدق النتيجة لا بذاته ولا وحده، بل بقياس آخر ينضم إليه.