ولك أن تعلم من هذا أيضًا حال معًا في الشرف وأما"معًا"فى العلية فتحقيق الأمر فيه عسير.
وقد تذكر في هذا الموضع، الحركة، فبقال: إن الحركة لها أنواع ستة، سواء كانت أنواعا في الحقيقة إن كانت الحركة جنسًا، أو كانت تشبه الأنواع، وهى في أنفسها معان مختلفة، تقال عليها الحركة بالتشكيك أو الاتفاق على ما نحققه لك في العلم الطبيعى. وهذه الأنواع ليست على قياس الأنواع القسيمة تحت جنس واحد، بل على قياس أنواع تختلف مرتبتها، فبعضها ملاصق، وبعضها متأخر؛ والسبب في ذلك أن بعض الأنواع القريبة لم يوجد لها اسم عام، فترك وأخذ نوعاه المسميان مكانه، إذ ليس هذا مكان تحقيق القول في ذلك، بل مكانه العلم الطبيعى.
فالأشياء الستة: التكْن وهو حركة إلى كون جوهر، مثل تكوْن الجنين؛ وفساد هو حركة إلى فساد جوهر، وهو مثل موت الحيوان. وهذان يعمهما أمر لا اسم له يتحقق في العلوم، ويعلم هناك أيضًا أنهما ليستا بحركتين عند التحقيق. والثالث النمو، مثل نشوء الصبى وتزيد الشجرة. والرابع الذبول، مثل اضمحلال الهرم في أعضائه وهما أيضًا تحت معنى حركة من كَّم إلى كَّم ونوعاه. والخامس الاستحالة، وهو التغير من كيف إلى كيف، وهو بالحقيقة ثالث، فإن الأول من هذه، تغير من جوهر إلى جوهر، وهو كون لما إليه، وفساد لما عنه؛ والثانى، هو تغير من كم إلى كم إما من نقصان إلى زيادة، أو من زيادة إلى نقصان، فيبقى الذى في الكيف ثالثا. والسادس من المذكورة وهو من النقلة، وهو تغير من مكان إلى مكان، وهو بالحقيقة رابع ، وهذه الأربعة متباينة تباينًا ظاهرًا، وربما أشكل أمر الاستحالة، إذا كانت الاستحالة تكون في الأكثر مقارنة لحركة يظن أنها نقلة أو غير ذلك، ولكن الشىء قد يتغير لونه أو مزاجه، ولا يكون قد تحرك في مكان، ولا نما، ولا ذبل، ولا كان، ولا فسد؛ وكذلك الشىء قد يتحرك في المكان وكيفيته بحاله، والمربع يضاف إليه القلم فينمو، وتكون الصورة محفوظة في الكل من حيث التربيع لم تتغير، وإن كان هذا ليس هو النمو الحقيقى لكنه مثال النمو الحقيقى. ويشبه أن يكون ههنا حركة أخرى، وهى الحركة في الوضع، مثل حركة الفلك على نفسه مستبدلًا لوضعه دون أينه، فربما لم يكن له أين فتغير أينه، وإن كان له أين وتحرك فيه على نفسه فلم يتبدل عليه بحركته؛ ولهذا موضع آخر.
ثم الحركة على الإطلاق، يضادها السكون على الإطلاق، في ظاهر الأمر وعلى النحو المستعمل في هذا الكتاب، ولا يوجد لها مضاد غير السكون. فالحركة مطلقًا في المكان، لا يخفى الامر في أنها يضادها السكون في المكان وفى الكمية والكيفية والحركات الجزئية من كل باب مما ذكر، يضادها حركات مقابلة لها جزئية أيضا، فلكون الفساد، وللنمو الذبول، لكن الاستحالة قد أخذت منوعة، فيعسر إصابة الضد لها من حيث هى استحالة، لا استحالة ولا سكون في ظاهر الأمر إذ كان السكون في الكيف غير متصور في ظاهر الأمر؛ وكذلك كان يكون الحال في الكون والفساد لو لم يذكرا منوعين، والظاهر يوجب أن لا يصاب للاستحالة ضد، إلا أن يقترن بالظاهر تأمل ومقايسة بالحركة المكانية، فيكون ضد الحركة المطلقة في الكيف، السكون في الكيف، مضادة جنسية، كما للنقلة السكون في المكان، أو يكون لجزئيات الحركات في الكيف أضداد جزئية، فيكون كما أن الحركة من أسفل إلى فوق مضادة للحركة من فوق إلى أسفل، كذلك الحركة من السواد إلى البياض مضادة للحركة من البياض إلى السواد، أعنى أن الابيضاض ضد للاسوداد، وهما نوعا الاستحالة. فلنصطلح الآن على أن الحركة على الإطلاق يضادها السكون على الإطلاق، وأن النوعيات الأربع القريبة منه يضادها السكون في ذلك المعنى من الجوهر أو الكيف أو الكم أو الأين.
وأما المتضادات الجزئية المنوعة جدًا فتضاد الحركات منها حركات، وأما أنه هل جميع ما ذكر حركات، وأنه ليس غيرها حركات، وأنه كيف يقابل السكون الحركة وأى سكون لأى حركة، فأولى المواضح بتحقيقه هو العلم الطبيعى.
لكن ألفاظ المتقدم، والمتأخر، والمقابل، والمع، والحركة، كانت الفاظًا قد استعملت في تعليم المقولات، وكانت قريبة من أن يكون فيها تعارف تخيل للمتعلم ما تعلمه في ابتداء الأمر، فحسن تعقيب النظر بتفصيل مشهور لهذه الألفاظ.