فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 781

وأما القسم الرابع من المتقدم وهو المتقدم بالشرف فهو كما يقال: إن أبا بكر متقدم على عمر.

وههنا قسم للمتقدم مشهور نذكره على وجهٍ ونحققه في صناعة الفلسفة وذلك هو المتقدم بالعلية. فإن السبب متقدم على السبب، وإن كان لا يوجد أحدهما إلا وقد وجد الآخر، وليس أحدهما متقدمًا بالطبع على الوجه المذكور من المتقدم بالطبع ههنا، وإن كان قد يقال المتقدم بالطبع على المتقدم بالعلية وبالذات. وهذا التقدم مثل وجود الإنسان في نفسه وإحقاق قول القائل إنه موجود؛ فإنه كلما كان القول بأنه موجود صادقًا فهو موجود؛وكلما كان موجودا فالقول بذلك صادق. ولكن الناس لا يتحاشون أن يقولوا: إنه كان أولا موجودًا ثم كان القول بوجوده صادقًا؛ أو حتى كان القول بعد ذلك بأنه موجود صادقا ويتحاشون أن يقولوا إنه كان القول بوجوده صادقا أولًا ثم كان هو موجودًا أو حتى كان هو موجودًا. وكذلك الحركة التى لَيدِ زَيْد، إذا اختارها فحرك لا محالة ما يلاقيه وحرك القلم، فإن الناس يتصورون لقولهم زيد حرك يده أولًا فتحرك ما يلاقيه أة تحرك القلم معنى يمنعون صدقه في قولهم إنه يحرك ما يلاقى يده أة يحرك القلم حتى حرك هو يده؛ فهذا المعنى هو التقدم العِلِّى؛ فإن العلة، وإن كانت من حيث هى ذات ومعلولها ذات لا تتقدم ولا تتأخر، ولا يكونان معًا، وكانت، من حيث هى علة، لزمها الإضافة، والآخر معلول لزمه الإضافة لا يتقدم أحدهما أيضا ولا يتأخر، بل هما معًا فإن الأول من حيث وجوده ليس عن الآخر ووجود الآخر عنه فهو متقدم بالنسبة إلى حال الوجود وتكون له النسبة إلى الوجود غير متوسط فيها وجود الآخر، والآخر لانسبة له إلى الوجود إلا ومتوسط فيها وجود الأول. وستجد هذا المعنى كالحاصل في سائر أنحاء التقدم لكل بحسبه.

وإذ قد وُقِف على التقدم والتأخر فقد سهل الوقوف على معرفة"معًا"؛ فإن كل أمرين لا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يتأخر فهما معًا. فيقال معًا في الزمان لما لا يتقدم أحدهما فيه ولا يتأخر؛ ويقال معًا في الطبع للأمر الذى لا تقدم ولا تأخر فيه بالطبع، فهما إما متلازمان في تكافؤ الوجود كالأخ للأخ ، وإما متنافيان فيه فلا يلزم أحدهما الآخر كالأنواع تحت جنس واحد؛ ليس لأنهما معًا في الطبع فقط، بل لأنهما معًا في المرتبة أيضًا وفى النسبة إلى مبدأ ما. فإن هذه من حيث النسبة إلى طبيعة الجنس متأخرة بالطبع من الجنس، ومن جهة إضافتها إلى الجنس، على أن الجنس مبدأ مفروض هى متأخرة عنه بالمرتبة، ومن حيث أن طبائعها لا تقدم فيها ولا تأخر في الطبع فهى معًا في الطبع؛ إذ كل واحد منهما بالقياس إلى الآخر توجد حالة مخالفةَ للحال الذى لطبعه عند طبع الجنس ولطبع الجنس عند طبعه الذى قد كان يتأخر به أحدهما بالطبع ويتقدم الآخر، فيكونا لذلك معًا في الطبع. وإذا نُسِبَتْ إلى حال تأخر عن الجنس بالمرتبة وجدت معًا في المرتبة نعم وهى مشتركة في أن طبائعها متأخرة بالطبع عن طبيعة الجنس فإن جعلت معًا في هذه الشركة لم تكن معًا في الطبع مطلقًا لكن معًا في التأخر في الطبع، وليس كونها معًا في الطبع هو كونها معا في التأخر، بل"المعا"فى الطبع هى الأشياء التى لا تتقدم بالطبع ولا تتأخرمن حيث هى لا متقدمة ولا متأخرة في ذواتها، لا من حيث هى كذلك من جهة نسبة إلى معنى آخر. فيجب أن تكون معية الأنواع بالوجه الذى يخالف تقدم الأجناس عليها وتأخرها عنها إنما هو باعتبار حال التلازم واللاتلازم، فإن المتأخر يوجد له أنه يلزم وأنه لا يلزم، والمتقدم لا يوجد له أنه يلزم ولا يلزم، والمتكافىء في الوجود إما أن يكون كلُّ يلزم كالمتجاوزين وإما أن يكون كل لا يلزم. وفى الحالين يكون"معا ً"كالمتباينين فإنهما"معا ً"وهو الوجود، وفى الحالين يكون"معا ً"وهما متضايفان من وجهين، والأنواع تكون"معًا"من هذا الوجه معيةً فيما بينها بإزاء التقدم والتأخر الذى بينها وبين الجنس، وأما معيتها في المرتبة فلأنها متساوية القرب والبعد من المبدأ الذى هو الجنس إذا كانت النسبة إليه. والأشياء التى هى"معًا"فى المرتبة أيضا فإما أن تكون في مرتبة وضعية كالذين في صف واحد فإنهم في مرتبة وضعية، وإما في مرتبة طبيعية كالأنواع تحت جنس واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت