فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 781

فالوجه الأول من التقدم هو الذى يكون بالزمان؛ فان الأكبر سنًا أقدم من الأحدث،والوجه الثانى ما يقال له إنه متقدم بالطبع، وقد حُدَّ أنه هو الذى لا يرجع بالتكافؤ في لزوم الوجود، كحال الواحد، عند الاثنين، فإنه إن كانت الاثنينية موجودة فالوحدة موجودة، ولا ينعكس مكافئه، فليس إن كانت الوحدة موجودة، فالاثنينية لا محالة موجودة. ومن المشهور أن ما يكون كذا فهو متقدم بالطبع وليس في المشهور له شرائط وأما تحصيل الأمر في ذلك فيؤخر إلى صناعة أخرى.

وأما الثالث فهو المتقدم في المرتبة على الإطلاق؛ وهو الشىء الذى تنسب إليه أشياء أخرى فيكون بعضها أقرب منه وبعضها أبعد، مثل الجنس الأعلى في حكم الجنسية والنوع السافل في حكم النوعية. وأما بعد المطلق فذلك ما هو أقرب المنسوبين إلى هذا المنسوب إليه منه، فإن ما هو أقرب للاثنين من هذا المنسوب إليه فهو أقدم في المرئية مثل الجسم فإنه يتقدم على الحيوان إن اعتبرت الابتداء من الجنس الأعلى، والحيوان أقدم من الجسم، إن اعتبُرت ذلك من النوع الأسفل. والمتقدم بالمرتبة ليس يجب له بذاته أن يكون متقدما، بل بحسب اعتبار النسبة المذكورة، ولذلك قد ينقلب الأقدم فيصير أشد تخلفًا. وكما أن الترتيب قد يوجد في الأمور طبعًا مثل ما في ترتيب الأنواع والأجناس التى بعضها تحت بعض وفى ترتيب أوضاع الأجسام البسيطة، وقد يكون وضعًا كترتيب الصفوف في المكان منسوبة إلى مبدأ بالوضع، كالبلد الفلانى مثلًا أو كدار فلان، كذلك المتقدم بالترتيب قد يكون في أمور طبيعية، وقد يكون في أمور وضعية.والمتقدم في المكان من هذه الجملة قد يكون بالوضع كالصف الأول من صفوف المجلس، وقد يكون بالطبع كالنار المستقرة في مكانها بالقياس إلى الهواء.

وقد يوجد المتقدم بالمرتبة أيضا في العلوم البرهانية، فإن المقدمات قبل القياسات والنتائج والحروف قبل الهجاء، والصدْر في الخطبة قبل الاقتصاص، وههنا مواضع إشكال وهو أن لقائل أن يقول: إن الأمثلة المذكورة في هذا الموضع داخلة في الباب الأول؛ فإن المقدمات قبل القياس ليس في المرتبة بل في الطبع، فإنه إن كان القياس كانت المقدمات، وليس إن كانت المقدمات كان القياس، وكذلك الحال في الحروف والهجاء،، فنقول في جواب ذلك، إنه وان كان الأمر كذلك فليس يمتنع أن يكون المتقدم بالطبع متقدمًا في المرتبة من وجه آخر؛ وذلك لأن النظر ههنا في المقدمة ليس بحسب نفسها ولكن بحسب استعمالنا إياها في التعليم. ونحن نتناول المقدمات مرة على طريق التحليل ومرة على طريق التركيب؛ فإن سلكنا مسلك التركيب كانت المقدمات قبل القاسات، وإن سلكنا سبيل التحليل بأن فرضنا أولا النتيجة وطلبنا وسطا، كما ستعرف بعد، انعقد لنا القياس بعد النتيجة؛ ولأن أخذ الوسط بين الطرفين على أنه مشترك بينهما في مثل هذا الموضع هو قبل تخصيصه بأحدهما حتى تحصل إحدى المقدمتين بصفة وتخصيصه بالأخرى حتى تحصل الأخرى بصفة؛ فيكون القياس أولًا ما بينَّا ثم يتدرج منه إلى أعتبار مقدمةٍ مقدمةٍ ما حالها. وكذلك الأمر في الهجاء والحروف. فقد ظهر أن الترتيب الواحد يكون موضوعا للتركيب والتحليل؛ ويكون ابتداء التركيب غير ابتداء التحليل، وكون المتقدم بحسب التحليل غير المتقدم بحسب التركيب، وذلك بحسب استعمالنا المقدمة؛ فهى وإن كانت متقدمة بالطبع، من حيث نفسها، فليست متقدمة بالطبع من حيث انتهاؤنا إليها بالتحليل. على أن النتيجة قد يجوز أن تكون من مقدمات أخرى، وعلى أنا في اعتبار التقدم في المرتبة لا نلتفت إلى حال الشىء في نفسه ولا إلى حاله من جهة استعمالنا، بل إنما نلتفت إلى حال نسبْته إلى طرف ينتهى إليه. والمقدمات المنتظمة من الأوائل وما يجرى مجراها إلى النتيجة القصوى المقصودة منتظمة بين طرفين أحدهما النتيجة والآخر المبدأ الأول، فما هو أقرب من النتيجة فهو أبعد من المبدأ الأول، وما هو أقرب من المبدأ الأول فهو أبعد من النتيجة. وقد تختلف مقدمتان في القرب من جانب والبعد من جانب لآخر، فيصير أحدهما أقرب منه والآخر أبعد ويكون حكمهما بالقياس الى الطرف الآخر مخالفًا، أو يكون أبعدهما من الطرف الأول أقربهما من هذا الطرف الآخر، وأقربهما من ذلك الطرف أبعدهما من هذا الطرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت