والقسمة أيضًا قد تورد على مقتضى الضرورة، وقد تورد لتحسين الكلام فيما لا يحتاج إليه، حتى يقول مثلا: إن العلم قد يكون أشرف من علم إما لقوة برهانه، وإما لشرف موضوعه، وإما لكذا وكذا، حيث النافع مثلا أن يبين أن العلم شريف، ثم يتعداه إلى عد وجوه شرفه من غير حاجة إليه. فأحد الوجوه الأربعة أن تورد المقدمات للاستقراء الاستظهاري دون الضروري، والقسمة التي لا ضرورة إليها.
والوجه الثاني، أن يورد لبسيط القول والتوسعة فيه، إما بمدح كلامه، واستجابة مذهبه؛ وإما للتعجب ممن ينكر مأخذه؛ وإما بالأمثلة والاستشهادات بأقاويل الناس، وإما بالتصرف في تبديل العبارات للبيان والفصاحة، بأن يعبر عن قضية واحدة بعبارات مختلفة، كما هو من عادة فصحاء العرب، وإما باستعطاف المخاطب واستمالته إلى التسليم تارة بمدحه ونسبته إلى الإنصاف، وتارة بذمه وتأنيبه وأنه بعيد عن الإنصاف.
وليس لقائل أن يقول: إن بعض هذه المواضع سوفسطائية وخطابية، وذلك لأن المواضع السوفسطائية ربما احتيج إليها في الجدل إذا تنكد المجادل فجعل لا يسلم المشهورات، حتى قد يرخص له أن يغالط المتنكد باشتراك الاسم، ولولا ذلك لما كان رخص في الجدل أيضًا أن يحتال في إخفاء النتيجة ليسهل به تسلم المقدمات.
والثالث خلط ما يحتاج إليه بما لا يحتاج إليه ليبعد الحدس عن النتيجة، ويخفى النافع في الحجة من غير النافع. فلو أن السائل طالب المجيب بتسليم الكبرى من النافع في الحجة فسلم له؛ ثم أعقبه بالتماس تسليم الصغرى؛ أو ابتدأ يتسلم منه الصغرى ثم أعقبه بالتماس تسلم الكبرى، عرض من ذلك أن يفطن المجيب لما يحاول السائل، فيتنكد ولا يسلمه. وأما إذا قرن بتسلم النافع شيئا لا ينفع؛ ولا يناسب المطلوب؛ وفصل بينه وبين قرينته من النافع؛ لم يبعد أن يخفى الغرض عليه. وهذا القسم هو من جنس الحشو الذي يؤتى به لإخفاء النتيجة.
والوجه الرابع هو المورد لا للضرورة، ولا للحيلة، بل للإيضاح والكشف بتبديل الألفاظ؛ وتكريرها، وبالأمثلة. ويفارق الوجه الثاني إذا كان التمثيل هناك والتكرير لأجل اجتلاب التصديق؛ وهاهنا لأجل التصوير والتفهيم. فالوجه الثاني يقصد فيه التصديق؛ وهذا الوجه يقصد فيه التصوير. وقد يستعان فيه بألفاظ الشعراء والأمثال المعروفة. وأما الوصية التي تليق بالوجه الأول، فبأن لا يذكر المقدمة الضرورية في أول الأمر، ولا يطلب تسليمها صراحا، فربما لم تسلم، بل يجب أن ينتقل عنها إلى التسليم ما هو أعم منها حتى يكون ذريعة إلى عقد القياس فيشتبه على مقابل وضعه، أو أخص منها حتى تكون مادة الاستقراء، فيسوقه إلى مقابل وضعه، أو مثلها ومساويها حتى تكون آلة لتمثيل يضربه لمقابل وضعه. فإن كان ينفعه تسلم أن العلم بالأضداد واحد، حاول أن يتسلم هل العلم بالمتقابلات واحد ترصدا للقياس، أو هل العلم بالحار والبارد والرطب واليابس أو بالمضافين واحد ترصدا للاستقراء، أو أن يستعين ببعضها في بعض في مثل أنه إذا أراد أن يتسلم مثلا ما هو أعم ابتدأ أولا بالاستقراء وبتسلم الجزئيات؛ ثم يتسلم بعد ذلك ما هو أعم، فيكون أسهل عليه، ثم يتسلم الضروري.
وأما الوصية في باب إخفاء النتيجة، فأن ينظر إن كانت النتيجة تبين بقياسات بعيدة فيجب أن يبتدئ بأبعد المقدمات عن النتيجة، ويتسلمها، فينتقل عنها إلى القريبة، سواء كان ذلك يبين بمقدمات قليلة أو يبين بكثيرة، فيحسن أن لا يسأل عنها على الترتيب القياسي، بل يسأل عن الأول في الترتيب ثانيا، وعن الثاني أولا، لئلا يسمع الحد الأوسط وقد تكرر، وهو رابط بالفعل، بل يسمع تارة في طرف، وتارة في طرف آخر، وقد تخلل بينهما فاصل. وكذلك يجب أن يخلل في كثير من يسلم المقدمات بين تسلم مقدمة وبين رقيقتها يسلم مقدمة أخرى. مثلا إذا كانت إحدى المقدمتين تنفع في مقدمة للقياس القريب، لم يضف إليها الأخرى التي تنفع في تلك المقدمة، بل التي تنفع في مقدمة أخرى لذلك القياس القريب. وكذلك إذا تسلم مقدمة مقدمة مما ينتج مقدمة اقرب منها، ثم تذكر النتيجة معها، بل يترك النتيجة ويشتغل بتسلم مقدمة للقياس الآخر. فإذا تسلم المقدمات تفاريق أورد النتائج التي هي المقدمات القريبة معا إيرادا لا يمكن المخاطب إنكارها بعد تسلمه المقدمات.