فالجائر هو الذي يضر بالمشيئة. لأن الذي يصدر عنه فعل ما طبعا أو قسرا، لا مشيئة وطوعا، فإنه لا يعد به محسنا ولا مسيئا. وأما الذي يقدم طوعا على ما يفعله فهو الجائر. والمقدم طوعا هو الذي يعلم ما يفعله ويقدم عليه غير مقسور لأمور يستدعيه إليه هواه. فمنهم من يكون مقدما هذا. لإقدام عن رؤية ونظر واختيار، وهذا هو الشرير الجائر. ومنهم من يفعل ذلك لضعف رأي، وهو الذي يجيب في ذلك داعي تخيل يثير انفعالا نفسانيا مناسبا لاستعداد خلق له، أو مخالفا للخلق الموجود فيه. مثل ما يعرض ممن تغلبه الشهوة أو الغضب أو الخوف أو شيء آخر مما يشبه ذلك، فيعمل من غير روية يستعمله فيما يفعله، وربما يعقبه الندم. وهذا مثل ما يبدر عن النذل إذا لمح مرفقا وعن الشره النهم إذا عرضت له لذة ويبدر من الكسلان، عندما يتخيل الدعة التي يهواها، من خذلان صديقه ومن الجبان عند الخوف، فربما سلم الحريم كما يقع من المؤثر للكرامة عند استرباح الكرامة وتقية الهوان وكما يقع من المغضوب، عند ثوران الغضب، من عسف ومن مؤثر الظفر، عند اعتراض الغلبة، من اقتحام ومن الأنف ذي الحمية، عند خشية الاستخفاف والعقوبة، من انقباض ومن المائق المافوك في عقله، عند التبلد فيما بين الخطأ والصواب، من خبط ومن الوقح الجريص، عند فائدة تلوح له ومربحة خسيسة تقرب منه، من استخفاف بنضوب ماء الوجه، وقلة رغبة في الحمد. فهذه هي الأحوال التي إذا كانت في خلائق الناس حركتهم إلى الجور، أو كانوا قد انفعلوا بها وقتا ما، وإن لم تكن عن خلق. وينتفع الخطيب باستعمالها في أن الجور وقع من الجائر. فينبغي أن نبين الآن الأشياء التي لأجلها يجار. فإن الأمور المشكوة ستحد، وأما المعاذير فإنها غير محدودة بأنفسها، لأنها تتبع الشكايات وتتحدد بها. فمن المحال أن تكون معذرة إلا وتتلقى بها شكاية مصرح بها، أو مضمرة، أو متوقعة، فنقول: إن كل فعل يصدر عن الإنسان، فإما أن يكون عن قصد وإرادة، أو يكون بغير قصد وإرادة. وما ليس بقصد وإرادة، فإما أن يعرض بالاتفاق، أو يقع بالاضطرار. والذي بالاضطرار، فإما أن يقع عن طبيعة، وإما أن يقع عن قسر. فأما الأفعال التي تكون عن الإرادة، فمنها ما يتبع العادة والخلق، ومنها ما يتبع شوقا حيوانيا، إما نحو اللذة وهو الشهوة، وإما نحو الدفاع والغلبة وهو الغضب، ومنها ما يتبع شوقا فكريا أو شوقا منطقيا. ويشبه أن يكون قد عنى بالفكري ما يصدر عن الفكر نحو أي غرض كان، وإن كان الغرض غير عقلي أو غير جميل، وبالمنطقي ما يكون نحو الجميل العقلي. ويشبه أن يكون قد عنى بالفكري التخيل، بالمنطقي الفكري بالحقيقة. وهذه الأقسام تنحصر في سبعة: الاتفاق، كمن رمى صيدا فأصاب إنسانا والطبيعي، كمن ركب مطية مستأجرة مثقلة بالقدر الذي عسى أن يكون غاية ما يرخص في حمله عليها، فناء بها حتى نفقت واستكراهي، كمن يلب على يده فيقبض سكينا، فيوجأ بيده إنسان وإما عادي وخلقي، مثل من اعتاد السرقة والاختلاس. فإذا أمكنته فرصة لم يملك نفسه أن انتهرها وإما فكري، مثل رجل اختل حاله، فلم يزل يفكر ويحتال حتى أنشأ تدبيرا في اختزال مال إنسان وإما غضبي وإما شهواني. فهذه هي القسمة الذاتية. وأما قسمة هذه الأسباب من جهة الأسنان، ومن جهة الهمم، فمثل ما يقال: إن الشاب يجور في الحرم وفي الدماء، والشيخ يجور في الأموال، والغنى يجور في اللذات. فليس ذلك قسمة ذاتية. فإن الشاب ليس يجور في الدماء، لأنه شاب، بل لأنه غضوب وليس يجور في الحرم لأنه شاب، ولكن لأنه مغتلم. والشيخ ليس يجور في الأموال لأنه شيخ. ولكن لأنه حريص وقح. والغني ليس يجور في اللذات لأنه غني، بل لأنه حريص متمكن. وكذلك الناسك ليس يعدل لأنه عابد، بل لأنه زاهد. لكن من الأقسام التي تتبع العرض ما هو بعيد عن المناسبة، مثل قسمة الناس إلى البيضاني والسوداني والنحاف والسمان. فإن ذلك لا يتعلق به شيء من الأخلاق التي تصدر عنها هذه الأفعال بالذات. ومنها ما هو قريب، وهو مثل قسمة الناس إلى الأحداث والشيوخ، وإلى العباد والفساق. فإن هؤلاء قد يكفيهم ويلزمهم من الأخلاق ما تصدر عنها بالذات هذه الأفعال. والغني والفقير من هذا القبيل. فللغني أخلاق تخصه، وللفقير أضدادها.