والأفعال الصادرة عن الاتفاق غير مضبوطة ولا محدودة. وأما التي عن الطبيعة فدائمة وأكثرية. وقد توجب الطبائع أيضًا أخلاقا متمكنة لا يجب أن تنس الأفعال الصادرة عن تلك الأخلاق إلى الطبائع إلا بالعرض. ولم يحسن من ظن أن الطبائع في هذا الموضع تعمل عمل السجايا. وأما الخارجات عن الطبيعة فقد علمتها. والمستكره في جملتها. وقد جرب الناس أحوال المستكرهين مرارا كثيرة في أمور مختلفة، وعرفوا ما فيه. فالمستكرهون عرضة لتمهيد معاذيرهم. إنما الذي يجب علينا تفصيل القول فيه هو ما يكون بروية وفكرة لمنفعة تؤم نحو غاية ترى خيرا، وربما كانت لذة أو غلبة. لكن إقدام من يستفزه الانفعال، فيحثه على فعل ما، هو على خلاف هيئة إقدام المروي عليه. فإن الذي يقدم بانفعال نفساني أو خلقي هو الذي قد أعرض له الشيء، فشاهده، فتحرك به إليه انفعال أو خلق. وأما الذي يقدم بروية فهو الذي يتمحل الحيلة في تحصيل الغاية وطلبها قصدا. لكن أكثر من يجور عن روية، يجوز لمنفعة، لا للذة، ولا لغلبة، وأما الشهوانيون الفجار فليس يجورون في اللذة لينتفعوا بها في شيء، بل لنفس اللذة. والمنطوون على إحنة ووتر يطالبون الثأر لأجل التشفي والغلبة، لا لأجل التأديب. وفرق بين العقاب وبين أخذ الثأر. فإن التأديب يقصد به تقويم المسيء وتثقيفه وردعه ومجازاته لأجل مجازاته. واما الثأر فالمقصود بطلبه ليس حالا تحصل في المفعول به فقط، بل حالا تحصل للفاعل، وهو التشفي والابتهاج بالانتقام. وكل متبع روية أو مطيع خلقا أو انفعالا فله لذة ما فيما يطلبه. ولكل لذة علة. فبعض اللذات علتها الطبيعة وبعضها علتها العادة، حتى إن كثيرا مما هو غير لذيذ بالطبيعة يعود لذيذا بالاعتياد، وبالجملة: فإن الإقدام على شيء طوعا لارتياد خير ولذة حقيقية أو مظنونة - وبالجملة: لابتغاء المنفعة - هو خاصة المروي. فإن المروي هو مستعمل الحد الأوسط إلى ما يرتاد من الخير عنده. وهذا الحد الأوسط هو المنفعة، حتى إن الشر بالحقيقة أو بالظن، أو اليسير من الخير قد يطلب بالروية طلب النافع، ليتوصل به إلى غاية هي خير أو ترى خيرا. فحري بنا أن نتكلم في النافع واللذيذ. لكن النافع قد ذكر في باب المشورة، فبقي اللذيذ.
فصل
إن اللذة حركة النفس نحو هيئة تكون عن أثر يؤديه الحس بغتة، يكون ذلك الأثر طبيعيا لذلك الحس. وأعني بالحس الظاهر والباطن معا. والشيء الذي يفيد هذه الحركة هو اللذيذ، وضده الذي يفيد هيئة مضادة لهذه هو المؤلم.