فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 781

ومن الممادح الانخداع والغلط في صغار الأمور، فإنه يدل على قلة الخوف، فإن الخوف هو الملجئ إلى الاحتياط في الفكر، ويدل على قلة الالتفات إلى مراقبة فوت ما يضن به. وقد يمدح أيضًا بالبراءة عن الانخداع أصلا لشدة الفطنة. ومن الممادح الإذلال إلى الصديق والعدو. وإن كان من الممادح أيضًا تخصيص الأصدقاء بالإحسان والإسداء. وأيضًا فإن الخطيب يجب أن يعلم موضع مدح الممدوح حتى يمدحه بما يلائم ذلك الموضع، فلا يأمن من أن يكون الممدوح به في موضع مذمة في موضع آخر، بل يجب أن يعلم الممادح بحسب البلاد والأمم والملل. ومن الممادح ذكر السلف الصالح والآثار التي خلدوها، خصوصا إذا تشبه بهم الخلف فاستوجب مزيد مدح وكرامة من تلقاء نفسه، وإن قصر عن شأو سلفه، أو كان ما يكسبه أقل مما كان ينبغي أن ينحو نحوه من الخير والفضيلة، كالإنسان المتوسط في همته، أو كان ما يكسبه أقل مما كان ينبغي، فإذا أنجح، اقتنع فلم يمعن. والكبير الهمة كلما أمعن في الإنجاح، أمعن في استئناف الجد نحو إدراك ما هو أعلى، وصار أحرص على اقتناء المآثر المستصعبة. ومثل هذا الإنسان لا يقتصر على الشرف الموروث، بل يستخف به، وينشط لادخار الحسب والشرف المكتسب، ويقل افتخاره بآبائه، وربما ارتقى بأفعاله إلى درجة تفوق درجة قبيلته، كما قال بعض الناس في مديح سوسدس مخاطبا أباء وإخوانه: إنه اليوم في الساطورانس. كأن الساطورانس قبيلة أشرف من اليونانيين.

وأول الأفعال التي يستحق بها المدح ما صدر عن قصد أو عن مشيئة. وأما التي بالعرض، فإذا بدر نفعه لم يذكر إلا أن يتكرر، فيلحق حينئذ بالممادح، ويشبه بما يصدر عن مشيئة. فإن المتكرر مرارا قد يظن به أنه مقصود من الفاعل، ويعتقد أن الذي بالبخت قليل التكرر. والممادح الحقيقية هي الأفعال الاختيارية. وأما المظنونة فهي التي تنسب إلى النسب، حتى يقال: إن الأسد يلد الأسد، والحية تلد الحية؛ وكذلك التي تصدر عن تأديب وتقويم، ليس عن نشاط غريزي. على أنه ليس يبعد من الحق أن يتشبه الأولاد بالآباء. فإن الإنسان يحرص على الإتيان بما يكثر منه مشاهدته ويستمر عليه نشؤه، ولذلك ما قد يحمد الفاعل إذا فعل الجميل المنشؤ عليه. فإنه إذا فعل ما نشأ عليه، دل على أن الفعل إنما صدر عن فضيلة وعن ملكة فيه رسخت مع النشوء. فيكون حينئذ قد فعل ما فعل آباؤه. فإن أعمالهم الباقية دلائل على أفعالهم. وإنما يمدحون على أعمالهم لأنها عن أفعالهم؛ وإنما يمدحون على أفعالهم لأنها تصدر عن فضائلهم الموجودة فيهم. فأما استحقاق الحمد فهو لنفس الفضيلة، حتى لو تيقنا وجود الفضيلة في إنسان ما، فإنا نمدح ذلك الإنسان، ولو لم نر فعلا فعله. ثم الفعل دليل على الفضيلة ال،ي هي الممدوحة. وإن كان استحقاق الحمد لا يكون إلا على فعل. والفعل هو الإنعام. وأما السعادة المشهورة فهي من باب الاتفاق والبخت. وكما أن صلاح الحال جنس للفضيلة، كذلك الاتفاق الجيد جنس للسعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت