فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 781

ومن علامات الفضيلة والممادح أجزاء من تنابذ الفضيلة وتضادها وتخجيله. فإنهم كثيرا ما يبتدئون بأقوال وأفعال من الفواحش يريدون بها فضح غيرهم فيفتضحون لفضيلة في ذلك الغير يصدر عنه حسن المعاملة لأجله. مثل ما فعلت سفا الحكيمة، حين رمز إليها القاوس المتغلب، فعرض عن فاحشة قائلا: إني أريد أن أنفث عن صدري بشيء، لكن الحياء والاحتشام يصدني عنه. فاستقرت هذه الحكيمة على جملة أمرها وديعة لم تقابله بالفحشاء من القول، والهجر من السب، مستحيية من مفارقة طريقة الحكمة، ومن إظهار التنبه لمعنى الفاحشة، كأنها لا يخطر ببالها أن أحدا يعرضها لطمع سوء، ويعترض لها بدعوة إلى فاحشة، ويضرب لها مثلا بمنكر، أو يجري عليها المعاني التي تجري على غيرها. لكنها كانت مصروفة الشغل إلى نصرة الهيئة والملكة الفاضلة، تترك الفعل الرذل، وكذلك من كان معها من النسوة الحصر لا يجزعن ولا يخفن من وقوع مثل ذلك بها ثقة بشرف نفسها، واعتلائها عن طاعة غير الواجب، وكمال فعلها في طاعة فضيلتها، وقلة انفعالها عن الرذائل، صار كل ذلك صادرا عن ملكة حصلت بالارتياض والاجتهاد. فإن الفضائل جلها مباين للهوى، ويكتسب بالمجاهدة إيثارا للمجد والفخر في تنميتها. وتنميتها بالعقل على الهوى، مثل ما سمعت من قصة الرجل والمرأة. والاستحياء أيضًا قد يؤهل للمدح ولكن دون تأهيل حالة سفا. والاستحياء أيضًا قد يكون لشيئين: أحدهما لاشمئزاز النفس عن الحالة الشنعاء، وهذا يصدر عن فضيلة؛ والثاني لنظرته ذكر فاحشة عرف بها المستحيي، وقد نسيت في الحال. فإذا لفظ بلفظ يشير إلى معناها، أو فعل مثلها، خطرت بالبال من الحاضرين، وهو من أهلها، فخطر بالبال صنيعه، فصار كالمشاهدة منهم له، الموجبة للاستحياء، إلا من البالغ في الرذيلة والسقوط فلا يستحيي من انكشاف مذمته. ومن الممادح أفعال يفعلها الإنسان ليصلح بها حال آخرين. وأيضًا الانتقام من الأعداء، وقلة الإذعان لهم، والجزاء على الحسنة والسيئة. وأن يكون الشجاع مغلبا لا يغلب. فإن الغلبة والكرامة من ممادح الشجعان. وأن يفعل أفعالا تنشر وتذكر، وتكون لعظمتها مما يسهل تخليدها، فيتوارثها الأعقاب. ومن الممدوحات علامات تختص بالأشراف، كإسبال العلوية شعورهم، فإنه من دلائل شرفهم. ومن الممدوحات الاستغناء عن الآخرين في أي باب كان.

وقد يتطلف في المدح على سبيل كالمغالطة، فيعبر عن الخسيسة بغبارة تجلوها في معرض الفضيلة، إذا كانت أقرب الخسيستين المتضادتين من الفضيلة، أو قد كان يلزمها والفضيلة شيء واحد يعمهما. وهذا مما يضطر إليه الخطيب إذا أحوج إلى مدح الناقصين، فجعل الشيء الذي تشارك به الفضيلة الخسيسة مشاركة ما مكان نفس الفضيلة. فيقال للحريز إنه حسن المشورة، وللفاسق إنه لطيف العشرة، وللغبي إنه حليم، وللغضوب القطوب إنه نبيل ذو سمت، وللأبله المغفل عن اللذات إنه عفيف، وللمتهور إنه شجاع، وللماجن إنه ظريف، وللمبذر في الشهوات إنه سخي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت