فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 781

والممادح المنسوبة إلى أنها فضيلة وأشياء تتبع الفضيلة من الجمال والحسن وغير ذلك من الممادح التي قد يتعدى بمدحها الناس والملائكة إلى أشخاص أخر يمدح بها. فالجميل هو المختار لأجل نفسه، وهو المحمود اللذيذ لا لشيء آخر، بل لأجل خيريته. فإنه جميل من هذه الجهة. والفضيلة نوع من الجميل، لأنها قوة، أي ملكة حسنة التأتي لتحصيل ما هو خير، أو يرى خيرا، وهي التي تفعل أو تحفظ الأمور الشريفة العظيمة من كل جهة. وأجزاء الفضيلة هي: البر، والشجاعة، والعفة، والمروءة، وكبر الهمة، والسخاء، والحلم، واللب، والحكمة. ومن الفضائل لا محالة ما يتعدى خيره إلى غير الفاضل، مثل البر والشجاعة والسخاء، ولذلك تلزم كل واحد منهم، إذ الكرامة مبذولة من الكل للنافعين.

فلنعد إلى ذكر كل واحد منها: فأما البر فإنها فضيلة عادلة تقسم لكل ما يستحقه بحسب تقدير الشريعة. والجور رذيلة يكون بها المرء آخذا ما ليس له بحسب تقدير الشريعة. والشجاعة فضيلة يكون بها المرء فعالا أفعالا صالحة نافعة في الجهاد على ما تأمر به الشريعة، وبها ينصر الشريعة نصرة خدمة؛ والجبن خلاف ذلك في التقصير. وأما العفة ففضيلة يكون بها المرء في استعمال الشهوانية البدنية على القدر الذي ترخص فيه الشريعة؛ والفجور خلافه. وأما السخاء ففضيلة يكون بها المرء فعالا للجميل ببذل المال؛ والدناءة خلافه. وأما كبر الهمة ففضيلة يكون بها المرء فعالا لأفعال عظيمة المنزلة من الحمد؛ والسفالة ضدها. وأما المروءة ففضيلة بفعل النبل بالتوسيع في الإطعام؛ وصغر النفس والنذالة خلافه. وأما اللب ففضيلة في الرأي يكون بها المرء حسن التعقل والمشورة نحو الخيرات والجميل؛ والبلاهة ضده.

ولتؤخذ هذه السروم على ظاهرها، ولا يلتمس فيها التحقيق العلمي البتة. وكذلك في أكثر سائر الرسوم التي نورد في هذا الفن من المنطق.

فهذه هي الفضائل التي يمدح بها.

وأما ما سواها من الممادح ففاعلات الفضائل والعلامات التي تدل على الفضائل، مثل الأنداب على الشجاع. وكذلك الانفعالات التي تلحق العادلين، لإذا لزموا العدل ولم يجنبوا إلى الجور، كالمستودع إذا شدد عليه العذاب في انتزاع ما هو في يديه، فاحتمل، وأبى أن يسلم الوديعة إلا إلى ربها. وأما الانفعالات التي يستحقونها عدلا، فهي وإن كانت خيرا في نفسها وواجبات، إذ كل فعل يصدر عن عدل فهو واجب وخير، فإنها من حيث هي آلام صرفة تجلب ضيما وخسرانا فقط بلا زيادة أخرى فليست خيرات وممادح لمن تقع بهم. وإن كانت باستحقاق عن سوء سيرة، فهي مذام. وأما في الباب الأول فقد كان الألم، وإن كان من حيث هو ألم، شرا ينقضي أثره، فهو من حيث يدل على فضيلة النفس وإيثار العدل مكرمة ومحمدة، وربما خلد ذكرها. وقد يمكن أن يصدر عن الشجاع فعل لا يصدر إلا عن شجاع، أو يلحقه انفعال لا يكون إلا للشجاع؛ وكذلك قد يصدر عن السخي فعل وانفعال لا يصدران إلا عن سخي؛ ولكنه لا يكون محمودا، إذا كان خارجا عن مقتضى العدل. ومن آثار الفضائل ما هو أكرم وأحسن. فإن الشجاع إذا جوزي بالكرامة، كان هذا أقرب إلى استحقاق المدح به من أن يجزى بالمال. وأدل أفعال الفضائل على استيجاب المدح ما فعل لا لجذب منفعة إلى الفاعل، بل لأجل غيره، أو لأنه خير لنفسه. إذ هو خير عام له ولغيره. ولهذا يمدح من يتعهد الموتى بالصدقات، لأن هذا النوع من الإحسان لا يبتغي به جزاء. ثم ما أريد به نفع الآخرين من حيث هو خير لهم، وليس لهم فيه غرض. ويفارق ما قبله أن ذلك كان الإيثار متجها فيه إليه لأنه خير فقط، وهذا لأنه خير للآخرين؛ وهذا قد يبتغى عليه جزاء، والأول لا يبتغي عليه جزاء. وبعد هذا ما يراد به الإحسان إلى المحسنين خاصة. فإن كان مكافأة فإنه من حيث يكافئ فاعلها لا يرتاد لنفسه خيرا إلا بالعرض من حيث هو مكافئ متوقع لا مكافئ فقط. وأما المكافئ، من حيث هو مكافئ، فقد حصل الخير وأحرزه، وليس يتوقعه حين يكافئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت