فأما القسم الأول فيجب أن يجتهد فيه حتى لا نسلم حدا مكررا تسليما قياسيا. فانه إذا لم يوجد في المقدمات حد مشترك قياسي، لم يمكن أن يلف قياس، ولم يمكن السائل أن يكبت. والتبكيت قياس على إثبات نقيض الوضع الذي يحفظه المجيب. وأما في آخر الأمر بعد التسليم فيجب أن يتأمل أن الواسطة التي سلمت كيف نسبتها إلى الطرفين، حتى يعرف الشكل والضرب. فان لم يكن ذلك؛ أو كان غير منتج أصلا، منع إنتاجه أصلا. وهذا إنما يتأتى له بعد حفظه أشكال القياسات وضروبها. فهذه وصية المجيب. وأما السائل فيجب أن يحتال في التوصل اللطيف إلى ترويج ما أوى بالتحرز عنه، فيجب ان يجتهد بأخفى ما يكون من الحيلة، فيتسلم ماهو ضروري في الانتاج من غير ان يتسلمه على نظم قياسي فيقطن لصنيعه. بل ان كان القياس مركبا من قياسات تنتج نتائج تصير مقدمات لقياسات تنتج نتائج اخر، ولا يزال حتى يبلغ المطلوب، سأل اولا عن ابعدها من ابهام المطلوب وتسلمه، ثم لم يسأل عما يليه، بل عما هو اقرب من المطلوب من مقدمات بينهما، ثم عاد وسأل عما بين المسألتين. ولذلك وجوه من الترتيب. مثلا ان كان تبين ان كل زَ آ، وكان ينتج ذلك بأن كل زَ هَ، وكل ه دَ، وكل دَ ج، وكل ج بَ، وكل بَ آ، فكل زَ آ. فيسأل إما عن مقدمات الاطراف، او الواسطة. فإن سأل عن مقدمات الاطراف فاولاها الكبرى. لأن السائل اذا سأل اولا عن الصغرى اليس كل زَ هَ؛ حدس المجيب انه عسى ان يكون كل هَ دَ، أو شيئا آخر مما على النظام. وأما اذا سأل عن الكبرى انه اليس كل بَ آ ؟ فيكون قد عكس الكلام عن الترتيب. فكأن وقوع الحدس عن هذا الجانب اقل، لانه لو قيل: كل بَ آ، وكل زَ بَ مصرحا، لم يكن على النظم القياسي بالفعل اذا لم يوضع المشترك في كل واحد منهما بجنب الآخر فلم يوهم، فكيف اذا لم يصرح ؟ والاحرى أن يسأل عن الكبرى أولا، فيقول: أليس بَ كل آ؟ ثم يتباعد عنه فلا يسأل عما هو بجنبه، بل عن البعيد منه،فيسألهل كل ه دَ؟ ثم يعود فيسأل عما بينهما أنه هل كل ج بَ ؟ وكذلك يجتهد أن يوقع اختلافا في الترتيب. وان سأل عن بعض المقدمات المتوسطة أولا، ثم الطرفية على خلاف ماهو نهج الترتيب في الاوساط، ثم عاد الى الطرفية الاخرى، لم يكن به بأس بعد أن لايجعل المسائل مرتبة.
وأما اذا كان القياس بسيطا غير مركب فيجب أن يسأل اولا عن الواسطة بجعل أول سؤاله عن الكبرى، فيكون أول ما يلفظ به لفظ الواسطة، مثلا نقول: هل كل بَ آ ؟ فيكون أول مايدخل في لفظة الواسطة؛ ويكون انما طلب أولا النسبة التي للح الاكبر الى الواسطة، ثم سأل عن الصغرى فيكون فعل مايمكنه من تغيير اتصال المقدمات. فاذا فعل هذا حدث قياس على نقيض الموضوع، وهو التبكيت. فالتبكيت قياس ما، وعلى شرائطه في الاشكال والضروب، الا انه باعتبار ما، وذلك الاعتبار أن تكون نتيجة نقيض وضع مايحفظه المجيب.
وقد ظن بعضهم ان قول المعلم الاول: إنه يجب أن يبدأ أولا بالواسطة، أن معناه انه يجب اب يبدأ بالاصغر. وليس كذلك. فانه اذا سأل عن الصغرى، لم يكن بد من أن يتلوه بالسؤال عن الكبرى، فيكون قد سأل على ترتيب قياسي منتظم. وقد حذر ايضا عن الابتداء للصغرى لما فيه من التنبيه على مأخذ الاحتجاج. فإن كان السؤال عن الكبرى مما لابد للمجيب فيه عن جواب يلائم غرض السائي، يكون حكمه حكمه لو ابتدأ بالصغرى سائلا، وإن كان للمجيب ان يجيب بشئ آخر، فهو الآن افطن لوجوب ذلك عليه، إذا أحس بالصغرى وأحس بانتظام القياس. فاذا كان له سبيل الى ان يعاسر في تسليم الكبرى، فقد افترض عليه سلوكها من هذا الوقت. وأما اذا سأل عنها أولا، ثم تلاها بالسؤال عن الصغرى وذلك في الشكل الاول لم يلح له وجه التأليف والنسق، فلم يلح له وجوب المعاسرة. فإن كان التسليم أشبه بالواجب والمستحسن رجى ان لايعدل عنه عدوله لو بينه للتأليف القياسي. ولو أن إنسانا ينازعنا في ان العالم محدث؛ فأردنا ان نثبت عليه أن العالم محدث؛ فقلنا له: أليس العالم كذا؟ تنبه أن كونه كذا يجعله محدثا. فعاسر في ذلك في اول الامر وأما إذا سألناه، وقلنا: أليس كذا محدثا ؟ أمكن أن يذهب توهمه الى انه شئ لايضره حدثه ولا قدره (قدمه) .