فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 781

والذي يغلط بالمصادرة على المطلوب الأول يأخذ العبيرات، فإن كانت ظاهرة لم تقبل، وإن خفيت وتنبه لها عند الإنتاج، قيل إن المراد فيما سلمت غير ما أوردت، ولو سلمت هذا لسلمت ما فيه النزاع، وحينئذ لا تجد المغالطة سبيلا إلى إلزام كذب أو تشنيع. وإذا استعمل المغالط بدل ما في المصادرة على المطلوب الأول من لفظ كلي قولا مبنيا على المقايسة، أو لم يكن للكلي المستعمل اسم، وكان قولا ما فبدله بقول قياسي - كما نقول على ما يجري مجرى الإنسان والفرس ويشبهه، فهو يحرك فكه الأسفل - ويجعله يغير ما يصادر به من المطلوب الأول على هذه الجملة - أو في غير المصادرة أيضًا - ثم أنتج منه، فله أن يقول: إنما سلمت لك فيما يجري مجرى الإنسان ولم أسلم لك في كل شيء، وهذا ليس يجري مجرى الإنسان، فإنه يخالفه من قبل كذا. وذلك لأنه إن لم يفعل هذا تم له التبكيت، وخفى ما يريده من المصادرة على المطلوب الاول، إذا كان تغييره على هذا النحو من التغيير بانتقال إلى جزئي أو المعلومة. فإذا استعمل اسما حقيقيا لم يكن بد من الجواب، أو من القسمة إذا كان في بعض دون بعض. ويعرض أن يكون الاسم حقيقيا في القضية ليس فيها اشتباه ولا إيهام اشتراك، وإن كان في نفسه مشتركا فيحوج ظهور معناه إلى التسليم أو القسمة، ثم يكون إذا استعمل في مقدمة أخرى استعمل بوجه آخر مما له في نفسه من الاشتراك - وتكون حاله ما ذكرنا - فيعرض في النتيجة أن تكون على نحو كاذب، كما أنه يقال:"إن ما هو لأهل بلد كذا فهو ملك لهم، والحيوان كذلك هو للإنسان، فهو إذن ملك له"؛ فتكون كل قضية تستعمل فيها لفظة"له"بمعنى معقول محصل، ولكن يغلط في النتيجة، إذ تؤخذ في النتيجة على معنى آخر. وقد علمت أن القياس لا يكون بالحقيقة قياسا، أو تكون هناك الاشتراكات الثلاثة التي للمقترنتين في أنفسهما، والتي لمقدمة مقدمة مع النتيجة. وإذا كان اللازم غير منعكس - كما قلنا - فينبغي أن نجيب في العكس بالجزئية، فلا يتهيأ التبكيت بالجزئي، فإن التجربة تحمله على إيراد الشروط، وتكثير القضايا؛ ويعسر حينئذ التأليف الصحيح في الحق فضلا عن الباطل.

وإذا كانت المسألة كلا طرفيها مشهور - كما هو في النفس من فسادها وغير فسادها؛ وفي القطر مشارك للضلع عند أصحاب الجزء ألبتة، وعند المهندس غير مشارك ألبتة؛ وأشياء أخرى مثل ذلك - فكان كل طرف مقبولا ومضادا للنقيض، فيسهل علينا في مثلها أن نقاوم، إذ يكون لنا أن لا نقبل أي الطرفين شئنا. وإذا لم يكن أحد الطرفين معتاد القبول والتسليم، وكان كل واحد من طرفي النقيض يصدق بشرط يقترن به، لم ينتفع الممارون بأماله؛ وذلك لأن للمجيب أن لا يسلم أي ذلك شاء. أما القسم الأول فلأن تسليم شيء من الطرفين غير معتاد، وأما الثاني فلأنه لما خلا عن الشرط كان حكمه حكم الأول، فإذا ألحق به الشرط، كان للآخر أن يلحق به الشرط، ثم لم يسلم مع شرط. وبالجملة تجاذب الفيضين في القبول وغير القبول يضعف سورة التبكيت؛ فإذا كان عند الإنسان معرفة حاضرة يحيط بها بكيفية العسرة في السؤالات وكيفية حلها، سارع إلى الحل وحد المقاومة. ولأن تمنع العقد أولى من أن تلبث إلى وقت الحاجة إلى الحل. وإنما تمنع عقد التبكيت الباطل أن تحس باتصال المقدمة المسئول عنها بالنتيجة أنكرتها، وللآخر أن يظهر وجه إنكاره لها؛ فإن هذا فعل الفحول من المجادلين، وبذلك يتلقون القياس الكاذب.

والقياس قد يكون مغالطيا إما لمادته فقط - إذا كانت صورته قياسية - فهذا ينقض من جهة مقدماته؛ وقد يكون مغالطيا، لأنه يشبه في صورته القياس، وليس بقياس؛ على ما علمت. وهذا فإن الحل قد يكون فيه من الوجهين جميعا، إذا كانت المقدمات أيضًا كاذبة؛ فعلى الحال أن ينظر في ذلك في صورته أيضًا، ويحل الشبهة منها؛ وينظر أيضًا في النتيجة - فإن النتيجة إذا كانت كاذبة نبهت على القياس وما فيه من الغلط - ويشرح سوء تسليم إن كان قد وقع، فإنه كما ليس الفكر كالبديهة، كذلك ليس التنبيه للسؤال - وهو بعد سؤال - كالتنبيه له إذا أنتج. فهذا هو وجه التحرز، والتمكن من الحل، ومقاومة السوفسطائية.

وأما تعقب تبكيتاتهم، وإيضاح السبب فيها، فقد يعلم مما سلف، ويزيده معرفة به معاودتنا النظر في كل واحد واحد منها.

(د) فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت