وكما أن الشئ يُعْلَم من وجهين: أحدهما أن يُتَصور فقط حتى إذا كان له إسم فنُطِق به، تمثل معناه في الذهن، وإن لم يكن هناك صدق أو كذب، كما إذا قيل: إنسان، أو قيل: افعل كذا؛ فإنك إذا وقَفْتَ على معنى ماتخاطب به من ذلك، كنتَ تصورته. والثاني أن يكون مع التصور تصديق، فيكون إذا قيل لك مثلًا: إن كلَّ بياضٍ عرضٌ، لم يحصل لك من هذا تصور معنى هذا القول فقط، بل صدَّقْتَ أنه كذلك. فأما إذا شككت أنه كذلك أو ليس كذلك، وقد تصورت مايقال؛ فإنك لاتشك فيما لاتتصوره ولا تفهمه، ولكنك لم تصدق به بَعْد؛ وكل تصديق فيكون مع تصور، ولا ينعكس. والتصور في مثل هذا المعنى يفيدك أن يحدث في الذهن صورة هذا التأليف، وما يؤلف منه كالبياض والعرض. والتصديق هو أن يحصل في الذهن نسبةُ هذه الصورة إلى الأشياء أنفسها أنها مطابقةٌ لها، والتكذيب يخالف ذلك. كذلك الشئ يُجْهَل من وجهين: أحدهما من جهة التصور، والثاني من جهة التصديق؛ فيكون كل واحد منهما لايحصل معلوما الإ بالكسب، ويكون كسبُ كلِّ واحد منهما بمعلوم سابق متقدم، وبهيئةٍ وصفةٍ تكون لذلك المعلوم، لأجلها ينتقل الذهن من العلم بها إلى العلم بالمجهول. فها هنا شئ من شأنه أن يفيد العلمَ بالمجهول تصوُّرُه، وشئٌ من شأنه أن يفيد العلمَ بالمجهول تصديقُه. ولم تجر العادة بأن يُفْرض للمعنى الجامع - من حيث علمه يفيد علم تصور شئ - اسمٌ جامع، أو لم يبلغنا؛ لأنَّ منه حدًّا، ومنه رسما، ومنه مثالا، ومنه علامة، ومنه اسما، على ما سيتضح لك، وليس لما يشترك فيه اسم عام جامع. وأما الشئ الذي يتريب أولا معلوما، ثم يُعْلم به غيره على سبيل التصديق، فإنَّ ذلك الشئ يسمى - كيف كان - حجة؛ فمنه قياس، ومنه استقراء، ومنه تمثيل، ومنه أشياء أخرى.
فغاية علم المنطق أن يفيد الذهنَ معرفةَ هذين الشيئين فقط؛ وهو أن يعرف الإنسان أنه كيف يجب أن يكون القول المُوقِعُ للتصور، حتى يكون مُعَرِّفًا حقيقة ذات الشئ؛ وكيف يكون، حتى يكون دالا عليه، وإنْ لم يُتَوصل به إلى حقيقة ذاته؛ وكيف يكون فاسدا، مُخَيِّلا أنه يفعل ذلك، ولا يكون يفعل ذلك، ولمَ يكون ذلك، وما الفصول التي بينها؛ وأيضا أن يعرف الإنسان أنه كيف يكون القول الموقع للتصديق، حتى يكون موقعا تصديقا يقينيا بالحقيقة لايصح انتقاضه؛ وكيف يكون حتى يكون موقعا تصديقا يقارب اليقين؛ وكيف يكون بحيث يُظَن به أنه على إحدى الصورتين، ولا يكون كذلك، بل يكون باطلا فاسدا؛ وكيف يكون حتى يوقع عليه ظن وميلُ نفسٍ وقناعة من غير تصديق جَزْم؛ وكيف يكون القول حتى يُؤَثِّرَ في النفس ما يؤثره التصديق والتكذيب من إقدام وامتناع، وانبساط وانقباض، لا من حيث يوقع تصديقا، بل من حيث يخيّل، فكثير من الخيالات يفعل في هذا الباب فعل التصديق؛ فإنك إذا قلت للعسل إنه مُرَّةٌ مقيئة، نفرت الطبيعة عن تناوله مع تكذيب لذلك ألبتة، كما تنفر لو كان هناك تصديق، أو شبيه به قريب منه، وما الفصول بينها ؟ ولم كانت كذلك ؟ وهذه الصناعة يحتاج متعلمها القاصد فيها قصد هذين الغرضين إلى مقدمات منها يُتَوصل إلى معرفة الغرضين؛ وهذه الصتاعة هي المنطق.