فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 781

والخطابة من جهة أخرى تتم بثلثة، بقائل، وقول، ومخاطب.

وربما اتفق أن مهدت مخاطبة من هذه بسبب مخاطبة أخرى، كمن يمدح شيئًا أو يذم شيئًا وغرضه أن ينتقل بعد ذلك إلى المشورة على سبيل التلطف في الحيلة. ولكل واحد من هذه المخاطبات غرض خاص. أما المشورة. فهي مخاطبة يراد بها الإقناع في أن كذا ينبغي أن يفعل لنفعه، أو أن لا يفعل لضره. وأما المنافرة: فمخاطبة يراد بها الإقناع في مدح شيء بفضيلة، أو ذمه بنقيصة. وأما المشاجرة: فمخاطبة يراد بها الإقناع في شكاية ظلم، أو اعتذار بأنه لا ظلم. وربما لم تقع منازعة في كون الأمر نفسه، ولكن في كونه نافعا أو غير نافع، وكونه ظلما أو غير ظلم، أو فضيلة أو نقيصة. والمشورة ليست تكون مشورة بسبب إقناعها في أمر هو نافع بالحقيقة. فإنه ربما لم يكن نافعا بالحقيقة، ولا عند المشير. لكنه إن أظهر أنه نافع، حاول الإقناع فيه، فتكون المخاطبة مع ذلك مشورية. وربما كان المشورة ليست بالنافع، بل بالجميل الذي نفعه من جهة أخرى، وربما كان في العاجل ضارا. وكذلك المدح والذم ليس ينظر فيه دائما إلى النافع والضار حتى يكون المدح للنافع، والذم للضار، بل ربما كان المدح مدحا بالضار. فإن اقتحام الضرر والأذى للذكر الجميل ممدوح، كالذين يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويخرجون ويسلبون. وكثيرا ما يحمد العاقل بإيثار الموت على الحيوة. ولما كان القياس الخطابي في جميع هذه الوجوه يقتصر منه على قضية تقدم وتكون إما مأخوذة من المحمودات، وإما دليلا، وإما علامة، فكل واحد من هذه مقدمة، وهي بعينها مكان القياس، ويرجع إليه على ما تحققت. والقياس المطلق من مقدمات على الإطلاق. والتفكير قياس يكون من هذه المقدمة على وجه خاص. فيجب أن يكون قد خزن عندنا مقدمات نافعة في هذه الأبواب. ولما كان الضروري كونه وعدمه لا إنسان يطلبه أو يهرب منه، فلا تتوجه المشورة إليه، بل المشورة متوجهة نحو الممكنات. فينبغي أن يكون عند الخطيب المشير مقدمات في إثبات أن الأمر ممكن أو غير ممكن، وفي أنه هل يكون أو لا يكون، وأيضًا في أنه هل كان أو لم يكن. فإن هذا ينتفع به المشير في التمثيل، وفي إثبات الإمكان أو نفيه. وينتفع به الشاكي، والمعتذر، والمادح، والذام. وأيضًا فإن التعظيم والتصغير ينتفع به المشير والمنافر والمشاجر بأن يقول: إن في هذا الأمر نفعا أو خيرا عظيما أو صغيرا لا يعبأ به، وإن هذه فضيلة أو رذيلة عظيمة أو صغيرة لا قدر لها، وإن هذا عدل أو جور عظيم أو صغير لا يلتفت إليه. وسواء اعتبر كل واحد منها بنفسه أو بمقايسة بعضها إلى بعض، فظاهر أن الخطيب لا يقع له استغناء عن إعداد مقدمات في التعظيم والتحقير، والأفضل والأخس تكون مواضع وأنواعا. فلنبدأ باعتبار الأنواع المشورية. ولما كانت المشورة مشورة بمحاولة أمر لأجل غرض هو خير، فبالحري أن يحصل المشير أقسام الخير الذي يشار به، وقبله أن يحقق معرفته من حيث هو عام. ومن المعلوم أن الخيرات والشرور الواقعة بالضرورة خارجة عن توجه المشورة إليها، إذ المشورة قول يراد به التحريك الإرادي نحو ما يكتسب بالإرادة من الخير أو ما يتحرز عنه بالإرادة من الشر. والضروري لا محالة كائن، أريد أو لم يرد. فالخير المشوري إمكاني، لا ضروري. ولا كل إمكاني. فإن من الإمكانات ما يصدر عن الطبيعة من غير إرادة، ومنها ما يصدر عن عرض يعرض، إما من خارج مثل انتفاع المحموم بنسيم الشمال إذا هبت، وإما من داخل مثل انتفاع الشاكي مغسا ريحيا بغضب يعرض له على سبيل الانفعال، وإن لم يكن مصدره عن الإرادة، فيسخن مزاجه، فيتحلل ريحه. وأمثال هذه الأشياء لا تكون المشورة فيها مقدمة تمهد للعمل عليها، بل تكون المشورة مقدمة للعمل الإرادي. فإن المشورة تختص بما كان من الممكنات إلينا أن نوجده أو نعدمه بالإرادة. فهذا هو الأمر العام لما تنحوه المشورة. ثم ههنا أنواع خاصية ينبغي أن نحصيها غير ملتفتين في إحصائها إلى الأنواع الحقيقية العقلية، بل نقتصر في ذلك على المقنعات المظنونة. إذ ليست الخطابة معدة للتحقيق، بل هي صناعة تتصرف فيها الصناعة القياسية بمواد من السياسة وأمثالها وعلى هيئة كالجدلية والسوفسطائية، فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت