إن الأمور التي هي أقسام المشورية الخطيرة جدا، دون الجزئيات التي لا تحصر، خمسة: العدة، والحرب والسلم، وحماية المدينة، ومراعاة أمر الدخل والخرج، وتفريع الشرائع ووضع المصالح.
فالخطيب المشير في أمر العدة ينبغي أن يكون خبيرا بارتفاعات الناحية: من رأى الأجناس هي، وكم هي، وبمبلغ النفقات إذا جرت على القسط ليوازي الدخل بالخرج. ويوعز بنفي البطال الذي لا يضرب يده في حرفة ينفع بها المدينة، والمتعطل أقعدته الزمانة والعلة عن الاحتراف، ويحجر على المسرف بفضل سعته عادلا به إلى الاعتدال. فليس كل ميسرة عن استكبار دخل، بل عمود الميسرة التأتي للتقدير في النفقة. فإن التقدير في الخرج مما يبسط في ذات اليد. فهذا مما ينبغي أن ينصرف إليه وكد من كان مشيرا في باب العدة. وينبغي أن يحيط علما بجزئيات الأخبار وبعوائد التجارب، فإنها تذاكير وأمثال.
وأما المشير في أمر الحرب والصلح فأول ما ينبغي أن يلحظه قوة الخطب الباعث على القتال وقدره وجدواه، فربما اتضع قدره عن تجشم خطر القتال بسببه، إما لأن كظم الغيظ فيه أخف وطأ من تكلف مؤونة الحرب بسببه، فرب كظم كفى عظيما، ورب نزق جلب ندما، وإما لأن له دواء غير مر القتال يشفي داءه، ويزيح علته. ثم بعد ذلك فينبغي أن يحيط بمقاتلة مدينته، والمقاتلة المحاصرين، عددهم، وعددهم، ودربتهم بالحرب، وبسالتهم علما، وأن يحيط بحال نجدة لعسكره يرتجى لحوقها واستمدادها في مثل ذلك، وفي نقاء دخلتهم وطهارة نيتهم أو ضدها خبرا، فرب نجدة عادت كلا ومدد صار وبالا. ويجب أن يكون هذا المشير ممن له بصر ببعض أنواع الحروب والتعابي، إن لم يكن بكلها، وسماع لأخبار المتقدمين من المقاتلة في مدينته وفي تخومها وما يليها ورسومهم ومذاهبهم، وأن يكون خبيرا بعواقبها المحمودة والمذمومة بحسب غرض من أغراض المقاتلين، فإنه سيستغزر من هذه الأحوال مقدمات ينتفع بها في المشورة. وكذلك ينبغي أن يستأنف النظر كل وقت في اعتبار عدة مقاتلة المخالف وشوكتهم هل هم مشابهون لمقاتلتهم في ذلك. ولا يقتصر على الامتحان السالف، فربما وفرهم إبقاء التنسل وانتقلوا عن قلة إلى كثرة، وعن ضعف إلى قوة. وأن يعتبر جزئيات سالفة، فإن الأمور في أشباهها، وتحتذى كثيرا حذو أشكالها.
وأما المشير في أمر حفظ المدينة فينبغي أن يعرف أنواع الحفظ لأنواع البلاد المختلفة سهليتها وجبليتها وبريتها وبحريتها، وبما يكتنفها ويحيط بها. وأن يعرف مواضع المسالح، وأنها كيف ينبغي أن تكون في قربها وبعدها، وكيف وجه الاستظهار في ترتيبها. فإن هذا أمر قد يوقف عليه وإن لم يعرف حال المدينة مشاهدة. وأن يعرف عدد الحفظة والذين أقعدوا مرصدا من المسالح، ويتحقق نياتهم لينجد قليلهم بالمدد، ويعزل خبيثهم بالناصح. وأن يكون له بصر بالمدراج المخوفة والمسالك التي يرتادها المغتالون ومن ينحرف عن الشوارع، فيكون له أن يشير فيها بالأرصاد. وأن يقف على الحاصل من القوت وما يحتاج إلى جلبه وإعداده من خارج المدينة، وما يحتاج إلى تجهيزه نحو ناحية أخرى لعوض أو لغرض آخر. فإن القوت وما يجري مجراه من آلات اللبس وأهب الفصول، إذا انحسمت مادتها، عجز عن حفظ المدينة. وتكون هذه الأشياء لكل بحسبه. والناس يختلفون في الحاجة إليها. فينبغي أن يكون المشير بصيرا بمقدار حاجيه كل إلى كل، وبأحوال أهل الفضائل وأهل الثروة منهم، فيشير بما ينبغي أن يستعان به فيه بأهل الفضائل والصنائع، وما ينبغي أن يستعان فيه بأهل الثروة، مما ينتظم به شمل المصلحة.
وأما الخامس وهو المشورة في أمر السنن فهو من أعظم الأبواب خطرا، وأمسها إلى فضل قوة الخطابة حاجة. فأول ما ينبغي للسان أن يتحققه حال عدد الأنواع والاشتراكات المدنية، وحال التركيبات الخلطية التي تتولد عنها، وأن يعلم مناسبة اشتراك اشتراك لأمة أمة بحسب عاداتها وخلائقها، وأن يعلم السبب الحافظ لكل واحد منها، والسبب الفاسخ له، وما الذي من جهتهت يتقي فسخها، إما من الشركاء أنفسهم، وإما من أضدادهم الخارجين. والفساد ينجم من المدينة نفسها، إذا لم تكن محكمة التدبير من أمرين: أحدهما عنف من المدبر لهم، وتشديد في أمر الواجبات عليهم؛ والثاني إهمال ومسامحة وفسح ومراخاة.