وأصناف السياسات التي تحفظ هذه الاشتراكات أربعة، تتشعب إلى ستة. منها: السياسة الوحدانية إذا لم يرض السائس فيها بالشريك؛ التي من جملتها السياسة التغلبية، وهو أن يكون المطاع المؤتمر المنتهي إلى رسمه المتدبر بتدبيره هو المستولي بالغلبة، إما بفضل ذات اليد، وإما بفضل قوة أخرى، ويكون مدبرها مقصور الهمة على الاستخضاع والتعبد. ومن جملتها: سياسة الكرامة وهي أن يكون الرئيس يراعي مصالح المرءوسين لا لشيء يستعيضه منهم إلا للكرامة والتعظيم. ومنها: الرياسة الفكرية وهي أن يكون المطاع هو الموسر، يرأس ويقدم ويتدبر بتدبيره لثروته من غير مغالبة تولاها قبل. ومنها: السياسة الإجماعية وهي أن يكون أهل المدينة شرعا سواء فيما لهم من الحقوق والكرامة، وعليهم من الأروش والجنايات، لا يروس أحد أحدا لخلة غير إجماعهم عليه، ومهما شاءوا استبدلوا به. ومنها: سياسة الأخيار وهي أن يكون أهل المدينة متشاركين على طلب السعادة العاجلية والآجلية، كل له مقام محمود بحسب فضيلته في نوع صناعته وجنسها، فهو دون من فوقه إن كان، وفوق من دونه إن كان، وكل له عمل يعود بصلاح المشاركة؛ وفيهم رئيس واحد أو رؤساء كنفس واحدة، يذعن له أو لهم الآخرون طوعا لا عن إجبار، ويروسهم الرئيس استحقاقا، لا لاتفاق. ثم تتشعب تحته رياسات بحسب الصناعات إلى آخر الناس، لا نزاع بينهم ولا خصام ولا اختلاف ولا انشعاب. فإن كان الرئيس فيها حكيما، وكان له مع الفضيلة المدنية فضيلة نظرية، كان بالحري أن تكمل هذه السياسة.
فأول هذه السياسات يسمى التغلبية، والثانية تسمى سياسة الكرامة؛ وإذا أخذت مع التغلبية سمى الأمر الذي يعمهما وحدانية الرياسة، لامتناع الرئيس فيها أن يشاركه في منزلته أحد. والثالثة تسمى سياسة القلة؛ إذا أخذت مع التغلبية سمى الأمر الذي يعمهما سياسة الخسة. والرابعة تسمى سياسة الحرية والديمقراطية. والخامسة سياسة الخير، والسادسة سياسة الملك؛ ويعمهما اسم سياسة السقراطية.
فينبغي أن يكون المشير بصيرا بهذه السياسات، وما يعرض لكل واحد منها من العوارض، وما يؤول إليه حال كل واحد منها من المآلات. فإن السياسة الكرامية لا تحتمل المشاركة، فهي بعرض أن تنتقل سريعا إلى سياسة التغلب. وسياسة القلة، مادامت سياسة قلة فقط، لا يضرها ازدحام الرؤساء. وسياسة الحرية قد تنتقل إلى سياسة القهر، وسياسة القلة، وغير ذلك. كل ذلك لفرط المسامحة في السنن أو فرط التشديد فيها. فإنها إذا كانت مهملة، لم يكن قانون. وإذا كانت مشددا فيها وقانونها التحرير، لم يجتمع التشديد والتحرير، فربما مالت إلى طاعة المدبر الذي له فضل بقوته أو فضل بيساره فتخضع له، وتخرج عن الحرية إلى جانب العبودية، ولا تبقى المراتب محفوظة.
وقد يعين على المشورة في أمر وضع السنن تأمل قصص من سلف.
وأم فساد السنن من جهة الأضداد فليس يحتاج إليه الخطيب من جهة ما يشير في وضع السنن، بل من جهة حفظ البلاد.
وقد قيل في ذلك وفرغ عنه. على أن استقصاء الأمر في هذا العلم للسياسة، لا لصناعة الخطابة.
فصل
قد وقف مما عددناه على المواضع التي منها تنتزع المقدمات المشورية في الأمور العظام. والآن فقد يحق علينا أن ننتقل إلى إعداد المواضع المشورية النافعة في الأمور التي بحسب الأشخاص، وهي في أنفسها غير معدودة، إلا أن جميعها يشترك في حكم أن المشورة تنحو نحو صلاح الحال، كان بالحقيقة، أو كان بالظن. فيجب أن نحد أو نرسم صلاح الحال، وأن نعدد الأمور التي هي أنواع لصلاح الحال أو أجزاء له، باجتماعها يصلح الحال، حتى يكون للمشير فيما يشيره مواضع يجعلها مقدمات مشورية.
قال المعلم الأول: ولا يقتصر على ما كان عند الخطباء في ذلك فيما سلف من ذكر وجوب التهويل والتكبير أو التهوين والتحقير والحث عليها واجتناب ما يفسد النظام ويزيل الإقناع، من غير أن عرفوا بماذا يكون التهويل والتكبير أو التهوين والتحقير، وفيماذا يكون، وما الذي يفسد غرض الخطيب، وينقص إقناعه.