فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 781

فنقول: إن صلاح الحال هو الفعال الجميل عن فضيلة، وإملاء وإنساء للعمر، مشفوعا بمحبة القلوب وتوفر الكرامة من الناس في رفاهية وطيب عيش ووقاية وسعة ذات اليد في المال والعقد، وتمكن من استدامة هذه الأموال والاستمداد إليها. فإن صلاح الحال بحسب الظن العام هو ما ذكرناه، أو ما يجري مجراه.

وأما أجزاؤه: فزكاء المحتد، ووفور الإخوان والأولاد واليسار والأنعام، وبلوغ الشيبة الحسنة لوقارها وأحوالها، والصحة، والجمال، والجلد والجسامة، والبطش، ومع ذلك فالمجد، والجلالة، وسعادة البخت، وأنواع الفضائل مثل أصالة العقل، والبسالة، والعفاف، والبر. فبعض هذه بدنبة، وبعضها نفسانية، وبعضها خارجة كالحسب والإخوان والمال والكرامة.

ومن حيي هذه الحيوة، وحسن منقلبه بعد الممات، فهو السعيد عند الجمهور.

فأما أجزاء زكاء المحتد وشرف المنصب فأن يكون من قبيلة إما بنكاء في المدينة نفسها من أول بنائها أو قدماء فيها، أو علماء حكماء، أو رؤساء مشاهير ذوي كثرة، أحرار غير موالي، أو أن يكون من قبيلة أخرجت سعداء قد تيسرت لهم أمور جزيلة وجميلة فهم لها مغبوطون. وهذا المحتد يتفرع إلى طرفي الأعمام والخؤولة جميعا إذا كان فيهم ما عددناه موروثا عن أسلافهم وموجودا في المشايخ من الخلف وفي الأحداث منهم. وأما حال الأولاد، فالأمر الجامع من صلاح الحال أن تكون فيهم كثرة مع الجسامة والجمال والبطش والقوة، وأن يكون لهم مع ذلك من الفضائل النفسانية مثل العفاف والبسالة. ثم تخص كل إنسان في ولده شهوة، فمنهم من يسره جماله، ومنهم من تسره ذكورته، ومنهم من تسره أنوثته. وللإناث فضيلة تزاد فيهن خاصة وهي الجمال، والعبالة في البدن، والعفة، وحب الزوج، والنشاط للعمل وإن كد. قال المعلم الأول: وبعض الناس في بعض البلاد يقتصرون من جميع ذلك في باب النساء على الزينة، كما للقدميين.

وقال بعضهم: إن اقريطن، صاحب كتاب الزينة، منهم.

وأما أجزاء اليسار: فكثرة الصامت والضياع والأموال من الإناث والمواشي والعقد مع علاقة كل شيء ونفاسته واشتمال الوقاية عليه وتيسير الاستمتاع والتنعم به في وجوه اللذات المشهورة. وأيضًا الضياع التي تؤتي أكلها وتجني ربوعها، والمستغلات التي تعود بالربح من غير إنصاب موصولا إلى التصرف فيه من غير خوف وأن لا تبغضه الشركة، ولا سبب من أسباب الحجر، بل يكون إليه التصرف فيه تصرف الملاك احتباسا وإخراجا ببيع أو هبة. وبالجملة: فإن الاستغناء في الاستمتاع، لا في الادخار.

وأما النباهة فهي الشهرة بأصالة الرأي وجمال الفعل، وهي الفضيلة عند الجمهور ويؤثره الأكثر منهم، وخصوصًا أولو الكيس.

وأما الكرامة فإنما يقلاها في الأكثر من عم بحسن الفعال. وقد تختلف بحسب الأزمنة والأمم، فقد يكرم قوم لأفعال وأحوال في أزمنة وبلاد أخرى. والكرامة قد تكون بالعدل والاستحقاق، وذلك إذا كان المتعرض لها قد اعتنى بحسن الفعال. وقد تكون لا عن وجوب، كما يكرم المقتدر على ذلك وإن لم يعن به، كالأغنياء إذا أكرموا، والسلاطين إذا خدموا، لأنهم يقتدرون على إنعام بمال أو جاه أو تخليص عن مضرة أو توصيل إلى مربحة. وليس كل الناس يقتدرون على ذلك غير السلطان والغنى، وأيضًا النجد القوي.

وأما أجزاء الكرامة فأن يدعى الإنسان بالخير، أو يتصدق باسمه، أو يقرب عنه، إما في حيوته أو بعد موته، على ما يريده، وأن يندب إلى الولائم والدعوات العامة فلا يغفل تحشيمه، وأن يتقرب إليه بالهدايا والتحف. فإن الهدايا دلائل على كرامة المهدى إليه. وقد تسر الهدية طائفتين: إحداهما محبو القنية من حيث الهدية تحفة مالية، والأخرى محبو الكرامة من حيث الهدية دلالة كرامية.

وأما فضائل الجسد فالصحة الغريزية التي لا تشوبها مسقامية مع اقتدار على استعمال الأعضاء الآلية كلها. فإن كثيرًا من الأصحاء كالمرضى، مثل الذين ركنوا بطباعهم إلى الكسل والخور، وأفرطت بهم العبالة وأقعدتهم عن الحركة أو عذرت عليهم الإسراع فيها، كما يعرف من حال الذين كسلوا لاعتياد الدعة فما بهم نهوض في الحركة، ولا استقلال بالمشقات وهل بين من تعطلت عليه أعضاؤه فلا تغنى غناءها وبين من لا أعضاء له فرق؟ وهؤلاء الضخام والمترفون في حكم من لا عضو له، غير لسان به ينطق، أسنان بها يمضغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت