فهرس الكتاب

الصفحة 701 من 781

وأما كثافة الجنس ووفور الخلة فهو أن يكون للإنسان جماعة عديدة يعملون بخيرات تخصه.

وأما سعادة الجد فمعلوم أنه من صلاح الحال. وكم من خير عم ونعمة تمت بالخت، لا عن اكتساب صناعي ولا عن فعل طبيعي! وإن كان في الخيرات ما تفيدها الصناعة، حتى إن الصحة كثيرا ما تفيدها الصناعة. وأما الجمال والجسامة الغريزية فعن الطبيعة لا محالة. وخيرات الجد هي التي يغبط عليها المغبطون، ويكثر عليها الحاسدون. والجد من العلل الكاذبة التي لا تعويل عليها لا في الخير ولا في الشر: إما في الأمور الطبيعية فأن يتفق للواحد أن يكون أقبح ممن حضره، فيحسنون في مقابلته بختا؛ أو يكون أحسن من آخرين، فيقبحون في مقابلته بختا؛ وإما في الأمور الإرادية مثل اختصاص الواحد بالعثور على كنز دون آخرين والطريق واحد، أو اختصاص الواحد بإصابة سهم غرب إياه دون آخرين والموقف واحد.

وأما الفضيلة فسنعد أجزاءها بحسب الظن في باب المدح.

فهذه هي التي يشار بما يشار على واحد واحد من الناس لأجلها.

وقد بقيت النوافع المشتركة وهي التي يشار بها، لا لها. والفرق بين النافع والخير: أن الخير يراد لأجله، وغيره له؛ والنافع يراد لأجل غيره، وربما كان شرا. والخير هو ما يتشوقه الكل أو أهل البصيرة والمعرفة منهم كل بحسب ظنه ومبلغه من العلم، حتى إن الذي يختاره الجاهل عن جهل لا يعده الجمهور خيرا ولا يظنونه، بل إنما يعتبرون ما يميل إليه أهل الرأي منهم. وإذا وصلوا إليه سكنوا عن الطلب. وإذا وجدوا بعض أهل الرأي والتصور قد اختار شيئًا، كان ذلك حجة مقنعة عندهم في أنه خير. وكان الخطيب ينتفع بالاحتجاج بذلك.

والمقصود المحتاج إليه الذي هو نفس الحاجة قد يشارك النافع الذي يفعل الحاجة ويوجدها أو الذي يحفظها ويديمها في أن المشير يشير نحوه. فإن المشير يشير نحو الخير، ونحو النافع؛ لكن يشير إلى أحدهما لنفسه، وإلى الآخر لأجل غيره.

وربما أشار بلازم النافع، كمن يقول: اتعب تصح. وليس التعب هو علة الصحة، بل الحركة الرياضية هي علة الصحة، فيلزمها التعب. وكذلك يشير باجتناب علل الشر ولوازمها.

واللوازم كلها: إما لاحقة من بعد، كالعلم فإنه يلزم التعلم، إلا أنه يتأخر عنه، وإما مساوقة لوجود الشيء مثل استحقاق المديح بحسن السيرة في الحيوة.

وأما العلل الفاعلة، فمن ذلك ما يكون اسمه من حيث فعله، مثل المصحح والصحة، ومن ذلك ما لا يكون كذلك. وكل ذلك على قسمين: قسم تكون طبيعة المسمى إنما هي علة موجبة لما توجبه لكيفيتها، كالغذاء للصحة، ومنه ما لا تكون طبيعته علة موجبة لها لكيفيتها، بل لكميتها مثل الارتياض للصحة. فإن الارتياض ليس علة للصحة من حيث هو ارتياض بالفعل، بل من حيث أنه بمقدار منه يجب استعماله. والغذاء، وإن كان له مقدار لا يجوز تجاوزه، فإنه ليس كالارتياض، لأن ما فضل من الغذاء على الواجب وانهضم فلا يكون علة للمرض لذاته؛ فإن ذاته حين انهضم علة للصحة بذاته؛ وإن لم ينهضم، لم يكن غذاء بالفعل. وأما المعتدل منه، بل القليل منه، إذا انهضم وقبله عضو ما فهو علة لصحة ذلك العضو بالقدر الذي قبل. وأما الرياضة فقليلها وكثيرها رياضة وحركة؛ لكن قليلها لا يوجب صحة شيء البتة، وكثيرها ربما أوجب الضرر.

والنوافع: منها ما يعد خيرات؛ ومنها ما يكون شرورا، منفعتها التخليص من الشرور. وإذا خلص شيء من الشر كيف كان، كان مقبولا عند الجمهور أنه هو الذي يفعل الخير الذي يتمكن منه عند الخلاص من الشر. ومن النوافع ما ينفع لا في إفادة خير ليس غير، بل في الزيادة إليه، أو ينفع لا في التخليص من الشر أصلا، بل لتهوينه والكسر من حمياه. فيكون هذا النقصان من جملة ما يعد فائدة. إذ كان الأنقص شرا نظن به أفضل، والأفضل أزيد على ما هو دونه، فيكون الشر الأكبر (الذي هو في نفسه أخص) أنقص في الحقيقة. لكن الفائدة التي هي من باب الخير هي بالحقيقة فائدة.

وأما الفائدة التي من باب الشر التي هي الانتقاص من الآفة إنما هي من جملة الخيرات النافعة، لا الخيرات الحقيقية. والخيرات الحقيقية التي هي الفضائل فهي أيضًا نوافع في خيرات عامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت